السيد كمال الحيدري
56
دروس في علم الإمام
خصائصه : أنّ الشيء إذا كان في الأعلى فهو غير موجود في الأسفل ، وبالعكس ، وقد استخدم القرآن الكريم هذا اللّون من النزول في قوله تعالى : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ المَضَاجِعِ السجدة : 16 ، أي ترتفع جنوبهم عن الفراش ، بنحو عندما ينهض هؤلاء لا تبقى جنوبهم في المضجع ، بل تتجافى عنه وتتباعد . الثاني : النزول على نحو التجلّي هذا النحو من النزول يتميّز بخصوصيّة ، هي أنّ الشيء المنزَل لا يفقد وجوده في مرتبته السابقة بعد النزول ، على العكس من النزول بالنحو الأوّل ، فإنّ الشيء إذا نزل من أعلى لم يبق له وجود في المرتبة التي نزل منها . يمكن تقريب ذلك بمثال من النشاط العلمي للإنسان : فإذا ما كانت عند الإنسان فكرة في ذهنه ، ثمّ عمد إلى كتابتها على الورق ، فإنّ هذه الفكرة تنزّلت من مرتبة وجودها في عقل الإنسان وصارت مكتوبة على الورق ، ومن الواضح أنّ الفكرة في الوجود الذهني شيء وهي في الوجود الكتبي شيءٌ آخر ، لكنّ الفكرة عندما تنزّلت من مرتبة إلى أخرى لم يفقد الإنسان علمه بها ، بل هي ما تزال تحافظ على وجودها قبل التنزّل وبعده ، غاية ما هناك أنّها ظهرت في مرتبة أخرى من مراتب الوجود دون أن تفقد مرتبتها السابقة . طبيعي أنّ للفكرة في مرتبتها الوجوديّة الجديدة أحكامها الخاصّة بها ، فإنّ الفكرة وهي في الذهن موجودٌ مجرّد غير قابل للنقل والسرقة مثلًا ، لكنّها وهي على الورق تنطبق عليها أحكام المادّة ، فهي قابلة للانتقال والسرقة وما إلى ذلك . فالفكرة هي هي ، وهي غيرها . هي هي لأنّ المضمون واحد ، فما هو موجود في الذهن وما هو على الورق واحد ، بيدَ أنّهما يختلفان في المرتبة الوجوديّة ، فللفكرة في الذهن درجة وجوديّة مجرّدة عن المادّة ، أمّا على الورق فهي في درجة وجوديّة أخرى .