السيد كمال الحيدري
57
دروس في علم الإمام
وهذا النحو من النزول هو الذي يصطلح عليه القرآن بالتجلّي كما في قوله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ الأعراف : 143 . وبهذا يتّضح معنى قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ، فإنّ المراد من التنزّل من الخزائن الإلهيّة : هو ظهور الأشياء في الكون بعدما لم تكن . وهو الذي يفسّر لنا حقيقة العلم الفعلي للحقّ تعالى ، وهو ظهور معلوم الحقّ سبحانه على ما علمه من علمه في مقام الذات . ولازمه أنّ علم الله سبحانه الذاتي لا يتحوّل ويتنزّل ليكون علماً فعليّاً عينيّاً في الخارج ؛ لأنّه لو كان كذلك لفقد مرتبته . هذا كلّه بحسب قوس النزول ، كذلك الأمر في قوس الصعود من هذا العالم إلى العوالم الأخرى ؛ يقول سبحانه : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ فاطر : 10 ، فليس معناه أنّ الإنسان إذا صعد مرتبة وجوديّة فَقَدَ مرتبته السابقة ، بل هو صعود على نحو التجلّي ، كما أنّ ذاك نزول على نحو التجلّي . إذا اتّضح ذلك ، يتبيّن أنّ نزول القرآن الكريم ليس هو على نحو التجافي - كما لا يخفى - وإنّما هو على نحو التجلّي ، وفقاً للقاعدة التي تحدّثت عنها الآية المباركة : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ الحجر : 21 . أسماء المرتبة العالية من القرآن بعد أن اتّضح في البحث السابق أنّ القرآن الذي بأيدينا إنّما تنزّل من تلك المرتبة العالية التي هي الأصل ، لابدّ من الوقوف على الأسماء التي سُمّيت بها تلك المرتبة : أُمّ الكتاب : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ الزخرف : 4 . الكتاب المكنون : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ الواقعة : 77 - 78 . اللّوح المحفوظ : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ البروج : 22 .