السيد كمال الحيدري
106
دروس في علم الإمام
فإن قلتَ : هذا الكلام يشير إلى أنّ هذه العلوم لها ظواهر وأسرار ، وبعضها جليّ يبدو أوّلًا وبعضها خفيّ يتّضح بالمجاهدة والطلب الحثيث والفكر الصافي والسرّ الخالي عن كلّ شيء من أشغال الدُّنيا سوى المطلوب ، وهذا يكاد يكون مخالفاً للشرع ؛ إذ ليس للشرع ظاهر وباطن وسرّ وعلن ، بل الظاهر والباطن والسرّ والعلن واحدٌ فيه ؟ فاعلم أنّ انقسام هذه العلوم إلى خفيّة وجليّة لا ينكره ذو بصيرة ، وإنّما ينكره القاصرون الذين تلقّفوا في أوائل الصبا شيئاً وجمدوا عليه ، فلم يكن لهم ترقٍّ إلى شأو العلاء ومقامات العلماء والأولياء ، وذلك ظاهر من أدلّة الشرع . قال صلّى الله عليه ] وآله [ وسلّم : إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً وحدّاً ومطلعاً . وقال عليّ رضي الله عنه - وأشار إلى صدره - : إنّ هاهنا علوماً جمّة لو وجدتُ لها حَمَلة . وقال صلّى الله عليه ] وآله [ وسلّم : ما حدّث أحد قوماً بحديث لم تبلغه عقولهم إلّا كانت فتنة عليهم . وقال الله تعالى : وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ العنكبوت : 43 . وقال صلّى الله عليه ] وآله [ وسلّم : « إنّ من العلوم كهيئة العلم المكنون لا يعلمه إلّا العالمون » « 1 » . إذن : « هذه الأمور تدلّ على أنّ في فهم معاني القرآن مجالًا رحباً ومتّسعاً بالغاً ، وأنّ المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه » « 2 » . وقال الشيرازي : « وبهذا يتّضح أنّ القرآن ينقسم إلى سرّ وعلن ، ولكلّ منهما ظهرٌ وبطن ، ولبطنه بطن آخر إلى أن يعلمه الله ، ولعلانيته علانية أخرى إلى أن يدركه الحواسّ وأهلها . أمّا ظاهر علنه فهو المصحف المحسوس الملموس والرقم المنقوش الممسوس . وأمّا باطن علنه فهو ما يدركه الحسّ
--> ( 1 ) إحياء علوم الدِّين ، تصنيف الإمام أبي حامد محمّد بن محمّد الغزالي ، المتوفّى سنة 505 ه - ، دار المعرفة ، بيروت ، 1402 ه - : ج 1 ، ص 99 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 1 ، ص 290 . .