السيد كمال الحيدري

93

دروس في التوحيد

فيصدق على الواجب أنّه خالق ورازق . . . ولو لم يكن هناك مخلوق ومرزوق ، لأنّ مآل هذا التوصيف إلى قضيّة شرطيّة ، والقضيّة الشرطيّة صادقة وإن لم يتحقّق طرفاها ، بل وإن استحال تحقّق طرفيها ، كما في قوله تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا ( الأنبياء : 22 ) فإنّها صادقة وإن استحال تحقّق طرفيها . وهذا ما أشار إليه الطباطبائي في " الرسائل التوحيديّة " بقوله : " إنّ هذه الأسماء لو انتزعت عن مقام الفعل ، فإنّما انتزعت عنه بما أنّ بينه وبين الذات نسبة ورابطة ما ، وإلّا لم تصدق هذه الأسماء على الذات البتّة ، فيؤول إلى اعتبار الحيثيّة ، بمعنى أنّ الذات بحيث لو فرض خلقٌ - مثلًا - فهو خالقه ، ولو فرض رزقٌ فهو رازقه . فإذن سبيل الأسماء الفعليّة سبيل الأسماء الذاتيّة في أنّ الجميع موجود للذات حقيقة " « 1 » . وأمّا الوجه الثاني ، الذي به لا تصدق هذه الصفات عليه صدقاً حقيقيّاً ، فهو أن يُراد به إيجاد ذلك الفعل ، فيُراد بالخالق موجد الخلق ، وبالرازق موجد الرزق ، وعند ذلك يكون من صفات الفعل . توضيح ذلك : لمّا كان الإيجاد عين الوجود حقيقة ، وإنّما يختلف عنه اعتباراً - كالفرق بين المصدر واسم المصدر ، فإنّه إذا نظر إلى الفعل بقطع النظر عن موجده وعلّته يسمّى وجوداً وهو اسم مصدر ، وإذا نظر إليه باعتبار انتسابه إلى علّته سُمّي إيجاداً وهو مصدر - إذن فليست حقيقة صفة الفعل غير نفس الفعل لكن منسوباً إليه تعالى . فالخالق مثلًا لا واقع له غير نفس الخلق ، بمعنى المخلوق منسوباً إليه تعالى ، ولمّا كانت هذه النسبة إضافة إشراقيّة ، فهي أيضاً نفس المخلوق ، فيؤول الأمر إلى أنّ صفة الفعل لا واقع لها غير الفعل .

--> ( 1 ) الرسائل التوحيديّة ، مصدر سابق : ص 48 .