السيد كمال الحيدري

85

دروس في التوحيد

بوجه من الوجوه ، وهذه الحقيقة يعكس مضمونها عدد من الروايات الواردة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، كما في الحديث المتقدِّم عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في جوابه عن سؤال الزنديق حيث قال : " لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنّا مرتفعاً " . وقد علّق أبو الحسن الشعراني على هذا الحديث بقوله : " ومعنى الحديث أنّا لم نكلّف بعبادة شيء لم ندركه أصلًا ، بل بشيء ندركه بوجه ونجهل حقيقته ، وهذا نظير النفس فإنّ وجوده معلوم وإلّا لم يكن فرق بين الحيّ والميّت ، ولكنّ حقيقته مجهولة لأكثر الناس ، وكثيراً من الأدوية نعرفها بخاصّتها في العلاج وآثارها ولا نعرف حقايقها ، وكذلك نعرف الله بوجه ولا نعرفه بكلّ الوجوه " « 1 » . وفي ضوء هذه النظريّة القائلة بإمكانيّة معرفة الصفات بوجه من الوجوه ، يمكن الإجابة عن الإشكاليّة القائلة بأنّ الصفات الذاتيّة مستمدّة من الوجود المادّي المحدود ، ومن ثمّ لا يمكن وصف الواجب بهذه الصفات لمحدوديّتها . وتتلخّص الإجابة عن هذه الإشكاليّة بالتفكيك بين المفهوم والمصداق ، فإنّ المفهوم وإن كان يصدق على الممكن والواجب على حدّ سواء بالاشتراك المعنوي ، لكن يختلف من حيث المصداق ، فإنّ هذه الصفات من العلم والقدرة والحياة عند الإنسان صفات زائدة ممكنة محدودة ، أمّا عند الواجب تعالى فهي صفات واجبة لا متناهية غير محدودة . هذه الحقيقة يلخّصها الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي يرسم الحدّ بين المعرفة الممكنة والمعرفة المُحالة حيث يقول : " لم يُطلع العقول على تحديد صفته ،

--> ( 1 ) شرح أصول الكافي للمولى محمّد صالح المازندراني ، تعليقة : المولى أبي الحسن الشعراني ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، طهران ، 1384 ه - : ج 3 ص 94 .