السيد كمال الحيدري

6

دروس في التوحيد

ومن الواضح أن جميع العلوم الشرعية تُعدّ مقدّمة لوصول الإنسان إلى تلك الغاية ، وهي القرب الإلهي وتحقّق التوحيد في قلبه ، إلا أن بعض هذه العلوم مقدمة قريبة وبعضها بعيدة وبعضها بواسطة . فمثلًا علم الفقه - بما يشتمل على المسائل الفردية والاجتماعية والمسائل التي تتكفل بسياسة المدن وتعمير البلاد وتدبير المنزل وتنظيم العباد - يكون مقدمة للعمل ، والعمل بدوره مقدمة لحصول المعارف العليا وتحقُّق التوحيد في قلب الإنسان . وكذلك علم الأخلاق الذي يُعدّ مقدّمة لتهذيب النفوس وتزكيتها ، هو الآخر مقدمة لتهيئة النفس واستعدادها لتلقّي المعارف الإلهية والقرب الإلهي . ولا ريب أن كمال المعرفة والقرب الإلهي يتوقّف على معرفة الإنسان بخالقه ، ومعرفة صفاته وأسمائه الحسنى ، وعنايته تعالى بمخلوقاته وكيفية تدبيرها ، مضافاً إلى معرفة النفس الإنسانية وطرق اتصالها بالله تعالى ، وغير ذلك من المقدمات التي يتوقف عليها كمال الإنسان ووصوله إلى القرب الإلهي والسعادة العظمى والشرف العظيم والدرجات الرفيعة والكمالات المنيعة ؛ ذلك لأن القرب الإلهي لا يمكن أن يتحقق إلا في ضوء معرفة صحيحة وبصيرة ، كما جاء في الحديث الشريف : " ليس إلى الله طريق يُسلك إلا بالعلم " « 1 » ف - : " إن بالعلم تهتدي إلى ربك " و " من علم اهتدى " « 2 » و " العمل على غير كالسائر على غير طريق ، فلا تزيده سرعة السير إلا بعداً " « 3 » .

--> ( 1 ) مصباح الشريعة ، المنسوب إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، الطبعة الأولى ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت : ص 14 . ( 2 ) روضة الواعظين ، محمد بن الفتال النيسابوري ، تحقيق السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان ، انتشارات الشريف الرضي ، قم المقدسة : ص 15 ، 16 . ( 3 ) الأصول من الكافي ، لثقة الإسلام أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكليني الرازي ، صحّحه وعلّق عليه : علي أكبر الغفاري ، دار التعارف ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1401 ه - : ج 1 ، ص 44 .