السيد كمال الحيدري

422

دروس في التوحيد

الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ( الأنعام : 103 ) . قال الراغب في " المفردات " : " البصر يقال للجارحة الناظرة نحو قوله تعالى : كَلَمْحِ الْبَصَرِ ، وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ . . . وقوله عزّ وجلّ : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ حمله كثير من المسلمين على الجارحة ، وقيل : ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام كما قال أمير المؤمنين ( رضي الله عنه ) : التوحيد أن لا تتوهّمه ، وقال : كلّ ما أدركته فهو غيره . والباصرة عبارة عن الجارحة الناظرة ، يقال : رأيته لمحاً باصراً أي ناظراً بتحديق " « 1 » . وترجع أهمّية التمييز بين الإدراك والبصر الذي ذكره الراغب وغيره إلى مسألة مهمّة أخرى ترتبط بالموضوع ؛ وذلك لأن بعض من قال بجواز الرؤية وإمكانها ، استدلّ على أنّ ما تنفيه الآية هو الإدراك ، والإدراك شيء والبصر أو الرؤية شيء آخر ، لكن الشواهد القويّة والقرائن القطعية تثبت عدم صحّة هذا التفسير ، فقد جاء عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) فيما ذكروه من أنّ المقصود ب - " لا تدركه الأبصار " لا تراه الأبصار ، وقد مرَّ علينا نصّ الشيخ المفيد من أنّ الروايات تواترت عن أئمّة الهدى في هذا المجال . واستدلّ الآلوسي بالآية الكريمة على نفي الرؤية ، تقريراً لرأي المعتزلة حيث قال : " إنّ الإدراك المضاف إلى الأبصار إنّما هو الرؤية ، ولا فرق بين أدركته ببصري ورأيته إلّا في اللفظ أو هما متلازمان لا يصحّ نفي أحدهما مع إثبات الآخر ، فلا يجوز رأيته وما أدركته ببصري ولا عكسه ، فالآية نفت أن تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام المبالغة في جميع الأوقات ، لأنّ قولك فلان تدركه الأبصار لا يفيد عموم

--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن ، مصدر سابق : مادّة بصر ، ص 49 .