السيد كمال الحيدري
362
دروس في التوحيد
وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ( السجدة : 4 - 5 ) . والسؤال : كيف يتلاءم منطق القرآن بين إثبات التدبير لله حصراً بوصف ذلك شأناً من شؤون الربوبيّة وبين ما يتحدّث عنه صراحةً من وساطة الملائكة في التدبير ؟ وإشكالية التعارض هذه تتعمّق أكثر حين نرى القرآن لا يقتصر في نسبة التصرّف والتدبير إلى الملائكة وحدها ، بل ينسبه إلى غيرها أيضاً كالجنّ كما في قول الله سبحانه : قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( النمل : 39 ) . كما ينسبه إلى الإنسان كذلك ، على ما هو عليه قوله سبحانه : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ ( النمل : 40 ) . أمّا نسبة التصرّف بالأمور الألوهية إلى الأنبياء فله مصاديق كثيرة في القرآن ، كما في حال إبراهيم وسليمان وداود وعيسى ( عليهم السلام ) . فعلى لسان إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) يواجهنا قوله سبحانه : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ( البقرة : 260 ) إذ نسبت الآية دعوة الطير كي تحيى مرة ثانية إلى إبراهيم ( عليه السلام ) وليس إلى الله جلّ جلاله . مضافاً إلى أنّ المسألة لا تقتصر على هذه الآيات وحدها في نسبة نحو من التصرّف والتدبير في هذا العالم إلى الملائكة والجنّ والأنبياء والصالحين وغيرهم بل تتعدّاها إلى آيات أخر ، ممّا يؤكد التعارض الذي بيّنه الفخر الرازي في السؤال التالي : إذا كان الأمر كلّه لله فكيف أثبت لهم هاهنا تدبير الأمر ؟ « 1 » والضمير ( لهم ) يعود إلى الملائكة ؛ مع أنّ المسألة لا تقتصر على الملائكة وحدهم كما تبيّن آنفاً .
--> ( 1 ) ينظر : التفسير الكبير ، مصدر سابق : ج 31 ، ص 28 .