السيد كمال الحيدري

358

دروس في التوحيد

سبحانه وبين الأشياء بدءاً وعوداً . ومعنى الوسائط أنّهم أسباب للحوادث فوق الأسباب المادّية في العالم المشهود قبل حلول الموت والانتقال إلى نشأة الآخرة وبعده . أمّا في مرحلة العود وعند ظهور آيات الموت فإنّ دور الملائكة في الوساطة واضح في قبض الروح ، وإجراء السؤال ، وثواب القبر وعذابه ، وإماتة الكلّ بنفخ الصور وإحيائهم بعد ذلك ، ثمّ في الحشر وإعطاء الكتاب ووضع الموازين والحساب ، والسَوْق إلى الجنّة والنار ، تدلّ عليه آيات كثيرة ، تعضدها الأخبار المأثورة فيها عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) . كما تتضح وساطة الملائكة في مرحلة التشريع بوضوح من خلال النزول بالوحي ودفع الشياطين عن التدخّل فيه ، وتسديد النبيّ وتأييد المؤمنين وتطهيرهم بالاستغفار . أمّا وساطتهم في تدبير الأمور في هذه النشأة ، فيدلّ عليها آيات كثيرة منها ما في مفتتح سورة " النازعات " . وكذا قوله سبحانه : جَاعِلِ المَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَة مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ( فاطر : 1 ) الذي يدلّ على أنّهم خُلقوا وشأنهم أن يتوسّطوا بين الله سبحانه وخلقه ، ويُرسَلوا من قِبله لإنفاذ أمره بحسب ما يفيده قوله تعالى : بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( الأنبياء : 26 - 27 ) ، وقوله : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( النحل : 50 ) وربما كان في جعل الجناح لهم إشارة لهذا الدور . فدور الملائكة في النظام الوجودي التوسّط بين الله وخلقه بإنفاذ أمره ، وليس ذلك على سبيل الاتّفاق بأن يُجري الله سبحانه أمراً بأيديهم ، ثمّ يُجري مثله بغير توسيطهم ، بل هي سنّة مطّردة لا اختلاف فيها ولا تخلّف : إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ( هود : 56 ) ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله