السيد كمال الحيدري
359
دروس في التوحيد
تَحْوِيلًا ( فاطر : 43 ) . في ضوء هذه الرؤية إلى دور الملائكة في الوجود وأنّها وسائط في التدبير ، يترتّب عدد من النتائج ، منها : 1 . من مقتضيات نظام الوساطة أن يكون بعض الملائكة فوق بعض مقاماً ، وما يقوم به العالي منهم من أمر من يليه بشيء من أمور التدبير إنّما هو في الحقيقة توسّط المتبوع بينه سبحانه وبين تابعه في إيصال أمر الله ، تماماً كما هو الحال في توسّط ملك الموت في أمر بعض أعوانه بقبض روح من الأرواح . يدلّ على هذا الترتيب قوله سبحانه حاكياً عن الملائكة : وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ( الصافات : 164 ) ، وقوله : مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين ( التكوير : 21 ) . 2 . تقدم أنّ معنى توسّط الملائكة في نظام الوجود أنّهم أسباب تستند إليها الحوادث . ولا منافاة بين كونهم واسطة بين الله سبحانه والحوادث ، وبين استناد الحوادث إلى أسبابها المادّية القريبة ، لأنّ السببيّة طولية لا عرضية ؛ أي أنّ السبب القريب سبب للحادث والسبب البعيد سبب للسبب وهكذا . 3 . كما أنّه ليس هناك تنافٍ بين توسّط الملائكة واستناد الحوادث إليهم ، وبين استنادها إلى الله سبحانه كونه تعالى هو السبب الوحيد لها جميعاً على ما يقتضيه توحيد الربوبية كما تقدّم . ومردّ ذلك أنّ السببية طولية لا عرضية ، ولا يريد استناد الحوادث إلى الملائكة استنادها إلى أسبابها الطبيعيّة القريبة ، والقرآن صدّق الاثنين ؛ استناد الحوادث إلى أسبابها الطبيعيّة كما استنادها إلى الملائكة . وليس لشيء من الأسباب استقلال بإزاء الله حتّى ينقطع عنه ، على ما ذهبت إليه الوثنية في تفسير تفويض الله تدبير الأمر إلى الملائكة المقرّبين . فالتوحيد القرآني ينفي الاستقلال عن كلّ شيء ، من كلّ جهة .