السيد كمال الحيدري
355
دروس في التوحيد
لتلك الكمالات بنحو أعلى وأشرف ، لذا قال تعالى : وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى ( الروم : 27 ) ، إذ لو لم يكن معطي هذه الكمالات واجداً لها بنحو أعلى وأشرف لا يكون معطياً ، لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه . وكذلك لو فرض معطي الكمالات مساوياً لكمالات المعطى ، فلا يعدّ المعطي معطياً ، إذ لا مرجّح لكونه هو المعطي دون الآخر المساوي له ، لأنّه ترجيح بلا مرجّح . من هنا يتّضح أنّ طريق معرفة الله تعالى والارتباط به تنحصر بالآيات والعلامات ، وبتعبير القرآن : بالتجليات في مخلوقاته . لأجل بيان مسألة التجلّي والظهور ، يمكن الاستعانة بمثال المرآة ؛ فإنّ الصورة التي تظهر في المرآة هي آية وعلامة دالّة على صاحبها ، وليست الصورة التي في المرآة هي عين الوجود الخارجي لصاحب الصورة . وبهذا يتبيّن أنّ الأفعال من قبيل الخلق والإحياء والإماتة والتوفّي ونحوها من الأفعال التي ينسبها القرآن الكريم ويصفه به تعالى ، ثم يعود ينسبها تارة أخرى إلى مخلوقاته ، إنّما هي على نحو الصورة المرآتية ؛ بمعنى أنّ هذه المخلوقات تُنسب إليها هذا الأفعال بما هي مظهر لخالقية الله تعالى وقدرته وتجلّ لها ، لا أنّ هذه المخلوقات تمتلك شيئاً قبال الله تعالى ، بل كلّ ما تملكه يمثّل إراءة ومظهراً لما هو موجود عند الله تعالى . يعضد هذا المعنى ما ورد في المعاجم اللغوية التي أشارت إلى معنى الآية وهي العلامة الظاهرة ، وأن كلّ شيء ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره ، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنّه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته فإذا أدرك الإنسان الصورة علم أنّه قد أدرك ذا الصورة « 1 » .
--> ( 1 ) انظر المفردات في غريب القرآن ، مصدر سابق : مادة : أبي ، ص 33 .