السيد كمال الحيدري
282
دروس في التوحيد
الكلامي . فالبحث الفلسفي لم يقف عند فاعل الفعل ، بل تخطّى ذلك لتحديد الموقف من قضية الاختيار . فسواءً كان الفعل صادراً عن الله أو عن الإنسان أو عنهما معاً ، فهل هذا الفعل يصدر اختياراً أم بلا اختيار ؟ هذا المعنى يوضّحه السيّد الصدر بقوله : " المسألة الفلسفية : وروح البحث فيها يرجع إلى أنّ فاعل هذه الأفعال سواء فرضناه في المسألة الأولى ( الكلامية ) الإنسان أو الله أو هما معاً ، هل تصدر منه اختياراً أو بلا اختيار " « 1 » . فقد يكون مبدأ الفعل هو الإنسان ، لكن الفعل نفسه ليس فعلًا اختيارياً ، وإنّما هو يصدر على نحو الفواعل الطبيعيّة ، تماماً كالإحراق الذي يصدر عن النار ، نعم إنّه ليس فعلًا اختياريّاً للنار بل هو فعل طبيعي لا دور فيه للاختيار . في ضوء هذا التمييز يستنتج الشهيد الصدر عدم كفاية البحث الكلامي وحده ويؤكد ضرورة استكماله بالبحث الفلسفي ، حيث يقول : " من هنا نعرف أنّ المسألة الكلامية لا تكفي وحدها لحسم النزاع في بحث الجبر والاختيار ، فلنفرض أنّنا قلنا هناك بأنّ الفاعل هو الإنسان وحده ، لكن يبقى احتمال كونه فاعلًا بلا اختيار كفاعلية النار للإحراق " « 2 » . كما يقول موضّحاً المعنى ذاته في موضع آخر : " إنّ مجرّد اختيار المذهب الشيعي في المسألة الأولى القائل بأنّ للإنسان دخلًا في الفاعلية كما أنّ لله تعالى دخلًا فيها ، أو اختيار المذهب المعتزلي القائل بأنّ الإنسان هو الفاعل محضاً ، لا يحتّم كون الإنسان مختاراً غير مجبور في فعله ، فلعلّ صدور الفعل من الإنسان كصدور الإحراق
--> ( 1 ) المصدر السابق : ص 28 . ( 2 ) بحوث في علم الأصول ، السيد الشهيد محمد باقر الصدر ، تقرير السيد محمود الهاشمي ، مركز الغدير للدراسات الإسلامية ، الطبعة الثانية ، 1417 ه - : ج 2 ، ص 28 .