السيد كمال الحيدري
275
دروس في التوحيد
شيئاً . هكذا في علاقة المؤلِّف مع الكتاب ، فالكتاب يحتاج إلى المؤلِّف حدوثاً ، أمّا بعد وجوده خارجاً فلا يضرّه غياب المؤلّف وموته . على هذا الأساس ساق المعتزلة عددا كبيراً من الأمثلة استدلّوا من خلالها على حاجة المعلول إلى العلّة في حدوثه لا في بقائه . مناقشة نظرية التفويض يمكن مناقشة النظرية الاعتزالية من بُعدين عقليّ ونقليّ . أ . مناقشة نظرية التفويض على المستوى العقلي 1 . إن قولهم أن الممكن بحاجة إلى العلّة حدوثاً واستغنائه عنها بقاءً ، لوحظ عليه أنّه يتضمّن خلطاً بين العلّة الحقيقيّة المفيضة للوجود والعلّة المعدّة . إذ إنّ العلة تقسم إلى علّة حقيقيّة وإلى معدّات ، وإطلاق اسم العلل على المعدّات إنّما يأتي تجوّزاً ، وإلّا فهي ليست عللًا حقيقيّة ، بل هي مقرّبات تقرّب المادّة إلى إفاضة الفاعل « 1 » . هذا المعنى يشير إليه قوله سبحانه : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( الواقعة : 63 - 64 ) حيث نسب الحرث والعمل في الأرض وإلقاء البذر إلى الزارع ، بيدَ أنّه نسب الإنبات والنموّ حتّى يبلغ الزرع الغاية إلى نفسه . ومعنى ذلك أنّ الزرع لكي يخرج من الأرض لابدّ من تحقّق عدد من المقدّمات التي تُهيّأ لإفاضة الإنبات والنموّ . وفي مثال البناء وغيره يلحظ أنّ البنّاء ليس من العلل الحقيقيّة الموجدة للبناء ، إنّما هو من العلل المعدّة لحدوث الاجتماع بين أجزاء البناء . فحركة يد
--> ( 1 ) ينظر في ذلك كمثال : بداية الحكمة ، للعلّامة محمد حسين الطباطبائي ، تحقيق عباس الزارعي ، نشر مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة السادسة ، 1419 ه - ، قم : ص 86 .