السيد كمال الحيدري
274
دروس في التوحيد
افعل كذا ولا تفعل كذا ، وبطل التأديب الذي ورد به الشرع ؛ إذ لا معنى لتأديب من لا يستقلّ بإيجاد فعله ، وارتفع المدح والذمّ إذ ليس الفعل مستنداً إليه مطلقاً حتّى يمدح به أو يذمّ ، وارتفع الثواب والعقاب الوارد بهما الوعد والوعيد ، ولم يبق للبعثة فائدة " « 1 » . وعند استعراض الرازي لما أطلق عليه بتفاصيل مذاهب الناس في باب خلق الأفعال ، قال : " والقول الرابع : إنّ المؤثّر في حصول الفعل هو قدرة العبد على سبيل الاستقلال . وهذا هو قول المعتزلة " « 2 » . ب ) أدلّة نظرية التفويض هذا الدليل يعود إلى نظريتهم في أنّ حاجة الممكن أو الفعل إلى الفاعل إنّما تكمن في حدوثه وحسب . وإذا كان الأمر كذلك فهو مستغن بعد الحدوث عن الفاعل . وهذا ما ينسجم مع نظرية المعتزلة التي آمنت بدءاً بنظام السببيّة وقانون العلّة والمعلول . إذا ما آمنّا - تبعاً للمعتزلة - بأنّ سرّ حاجة الممكن إلى العلّة يكمن في حدوث الفعل فقط لا في حيثيّة أخرى وملاك آخر ، فمن الطبيعي أن لا يكون الفعل بعد حدوثه بحاجة إلى الفاعل وإلى العلّة الموجدة . على هذا نسبوا إلى المعتزلة قولهم : إنّ المعلول يحتاج إلى العلّة حدوثاً لا بقاءً ، على اعتبار أنّه إذا ما وجد وحظي بالدخول في عالم الوجود ، فسيكون مستغنياً عن العلّة . لقد استعان المنطق الاعتزالي في إثبات دعواه بعدد من الأمثلة الحسّية مأخوذة من الواقع الخارجي . ذكروا مثال البناء وأنّه بحاجة إلى البنّاء في حدوثه ، وإذا وجد البناء ثمّ مات البنّاء فإنّ ذلك لا يؤثّر على وجود البناء
--> ( 1 ) شرح المواقف ، مصدر سابق : ج 8 ، ص 154 . ( 2 ) القضاء والقدر ، مصدر سابق : ص 34 .