السيد كمال الحيدري
273
دروس في التوحيد
الاتجاه الثاني : نظرية التفويض أ ) بيان النظرية مقابل اتجاه الأشاعرة الذي ذهب إلى أنّ أفعال العباد صادرة من الله مباشرة ، تميّز اتّجاه آخر وهو اتجاه المعتزلة الذي ذهب إلى أنّ الأفعال صادرة من الإنسان مباشرة وعلى نحو الاستقلال أيضاً . فالإنسان محتاج إلى الله سبحانه في أصل وجوده وقدرته ، أمّا في استخدام هذه القدرة في الفعل والترك فهو مستقلّ تماماً . على هذا نسبوا لأصحاب هذا الاتجاه أنّه لو عُدم الواجب بعد إيجاد الإنسان لما ضرّ ذلك وجوده شيئاً ، لحاجة الإنسان إلى المبدأ في أصل وجوده لا في إعمال قدرته بالفعل أو الترك . هذه النظرية هي التي تعرف بالتفويض الاعتزاليّ تمييزاً لها عن ضروب أخرى من التفويض ، وهي ترتبط أساساً بتحديد موقف من فعل الإنسان . قال قاضي القضاة عبد الجبّار في كتابه " شرح الأصول الخمسة " : " قد عُلم عقلًا وسمعاً فساد ما تقوله المجبرة الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى ، وجملة القول في ذلك أنّ تصرّفاتنا محتاجة إلينا ومتعلّقة بنا لحدوثها " « 1 » . فالعبد مُوجِد لأفعاله بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد ، وهو أنّه لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار لبطل التكليف بالأوامر والنواهي ، لأنّ العبد إذا لم يكن موجداً لفعله ، مستقلًّا في إيجاده ، لم يصحّ عقلًا أن يقال له
--> ( 1 ) شرح الأصول الخمسة : ص 332 عن : الإلهيّات ، مصدر سابق : ص 666 .