السيد كمال الحيدري
254
دروس في التوحيد
الأسباب الطبيعيّة في مقابل الأشاعرة ، لكنّهما يفترقان في طبيعة القراءة التي يقدّمها كلّ فريق لموقفه النظري . وهنا يكمن التمايز بينهما . يتلخّص الاتجاه الذي تقدّمه مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) في أنّ الأسباب الطبيعيّة تعمل في الوجود وتمارس تأثيرها ، ولكن بإذن الله سبحانه ودون انقطاع عنه . والمقصود من " بإذن الله " أنّ عمل هذه الأسباب وتأثيرها هو بإقدار الله لها حدوثاً وبقاءً . فنظام السببيّة قائم فاعل في الوجود ، والرابطة ضرورية بين العلّة والمعلول ، لكن هذه القوانين والعلائق الضرورية لا تعمل على نحو الاستقلال كما تعمل الأربعة بالنسبة إلى الزوجية ، بل تعمل بما أفاده الله عليها من الضرورة ، ومن ثمّ لا يمكن أن تكون هذه القوانين معزولة عن الله بل هي بحاجة إليه حدوثاً وبقاءً ، كما لا يمكن أن تكون أيضاً حاكمة عليه ، كيف وهو سبحانه الموجد والمُبقي لها الغالب عليها ، المالك على الإطلاق ؟ ! وهذا ما يقتضيه الجمع بين الآيات . فالله سبحانه أوجد بعض الأفعال مباشرة بلا واسطة ، وبعضاً مع الواسطة ، بالمعنى الذي يفيد أنّ لهذه الواسطة أثراً في إيجاد الفعل لكن بإقدار الله ، وهذا الإقدار لا يستقلّ بالأثر بل هو محتاج إلى الله سبحانه حدوثاً وبقاءً . فالله سبحانه لا يمنح القدرة للسبب الطبيعي ثمّ ينعزل ، بل العلاقة دائمة ، لأنّ ذلك السبب قائم به حدوثاً وبقاءً ككلّ شيء في نظام الوجود . وهذا معنى أنّه حيّ قيّوم . بعد هذا العرض نرجع إلى تعريف التوحيد الأفعالي الذي سقناه بدءاً ، لكي تتّضح أبعاده بشكل واضح ، حيث جاء في التعريف : " التوحيد الأفعالي : المراد به هو المعرفة بأنّ كلّ ما يقع في العالم من العلل والمعلولات ، والأسباب والمسبّبات ، والنظامات العادية وما فوقها ، يقع بإرادته في حدوثه وبقائه