السيد كمال الحيدري
253
دروس في التوحيد
فمنطلق الفريقين إذن يكمن في نقطة واحدة تتمثّل بالعجز عن الجمع بين الفاعليّتين ، فأفضى بالأشاعرة أن يختاروا إثبات الفاعلية الإلهية في مقابل نفي فاعلية الأسباب الطبيعية ، بينما اختار المعتزلة الإيمان بفاعلية الأسباب الطبيعيّة وإنكار الفاعلية الإلهية ، وذلك من خلال الإيمان بأنّ الأسباب الطبيعيّة تحتاج إلى الله في حدوثها فقط ، أمّا في بقائها وإيجادها للأشياء فهي مستغنية عنه سبحانه . مناقشة الاتجاه المعتزلي 1 . تتعارض هذه النظرية مع ظواهر الآيات القرآنية ، فكما أنّ هناك طائفة من الآيات أثبتت تأثيراً للأسباب الطبيعيّة ، فإنّ هناك طائفة أخرى تنتهي إلى نسبة الخلق إلى الله سبحانه مطلقاً : ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ( المؤمن : 62 ) . 2 . يلزم من هذه النظرية عدد من الإشكالات العقلية ، منها انقلاب الفقير إلى غنيّ ، والممكن إلى واجب . فوفق منطقها أنّه لو جاز عدم الواجب لما ضرَّ عدمه وجود العالم ، لأنّه غنيّ عن العلّة في بقائه ، وإذا صار كذلك فهو غنيّ ، فيلزم انقلاب المحتاج إلى غنيّ ، والممكن إلى واجب . وهذا محال عقلًا . 3 . يمكن أن يُستَشفّ من ظواهر بعض الآيات دوام الفيض الإلهي في كلّ آنٍ آن ، وعدم انقطاعه عن الوجود ، أي حاجة الوجود إليه حدوثاً وبقاءً . من ذلك قول الله سبحانه : يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن ( الرحمن : 29 ) إذ ليس في الآية الكريمة ما يدلّ على أنّ هذا السؤال حدوثيّ فقط ، بل هو حدوثيّ وبقائيّ ، بمعنى أنّه يوجد سؤال في كلّ آنٍ آن ، ويوجد في مقابله جواب وعطاء وإفاضة في كلّ آنٍ آن أيضاً . ثالثاً : الاتجاه الإمامي قبل بيان هذا الاتجاه ينبغي التذكير بأنّ المعتزلة والإمامية يؤمنون بفاعلية