السيد كمال الحيدري
250
دروس في التوحيد
ثُمّ إذا وجد مثل هذا التأثير ، فكيف يتمّ التوفيق بينه وبين التوحيد الخالقي الذي يعني نفي تأثير ما سوى الله سبحانه ؟ هذه هي الإشكالية التي واجهها فكر المسلمين منذ العصور الأولى ، وقد برزت ثلاثة اتجاهات في تفسيرها ، يمثّلها الأشاعرة والمعتزلة ومدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) . وهذه الاتجاهات قدّمت إجاباتها على مستويين ، هما : الأوّل : مستوى الفواعل الطبيعية وما في الطبيعة ذاتها من ظواهر ووجودات وعلائق بين هذه الظواهر والوجودات . الثاني : مستوى الفواعل الاختيارية ، وفي مقدمتها الفاعل الإنساني وطبيعة علاقته بفعله . الاتجاهات المطروحة الخاصة بالفواعل الطبيعية هنالك اتجاهان رئيسيان للمسلمين لحلّ إشكالية التوحيد في الخالقية على مستوى الفواعل الطبيعية ونظام الوجود المادّي : أوّلًا : الاتجاه الأشعري ارتكز هذا الاتجاه على فهم خاصّ لتوحيد الخالقية وهو نفي وجود أيّ مؤثّر آخر في هذا العالم ، في ضوء قوله سبحانه : اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء ( الرعد : 16 ) وممّا ترتّب على هذه النظرية إنكار نظام السببيّة في الوجود الإمكاني . ففي ظواهر مثل النار والإحراق ، والأكل وحصول الشبع ، والشرب وارتفاع العطش ، ليس هناك علاقة سببيّة بين النار والإحراق ، والأكل والشبع ، والشرب والارتواء ، بل جرت عادة الله على ذلك ، بحيث إذا ما تحقّق هذا يتحقّق ذاك . على هذا تكون نسبة النار إلى الحرارة والبرودة ، والماء إلى العطش والإرواء على حدّ سواء ، فليس هناك علاقة سببية ورابطة ضرورية قائمة بين الاثنين ،