السيد كمال الحيدري

240

دروس في التوحيد

والبصر الإلهيين منزّهان عن الجارحة والأداة ، غنيّان عنها ، فهما قوّة مطلقة غير متناهية لأنّهما عين الذات أيضاً والذات غير متناهية . إلى هذا المعنى الذي يتحدّث عن محدودية الصفة عند الممكن وإطلاقها عند المطلق غير المتناهي ، أشار الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) في قوله : " وكلّ سميع غيره يصمُّ عن لطيف الأصوات ، ويصمّه كبيرها ، ويذهب عنه ما بعُد منها ، وكلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان ولطيف الأجسام " « 1 » ، فهو سبحانه سمع كلّه لا صمم فيه ، وبصر كلّه لا عمى فيه . 3 . علاقة صفتي السمع والبصر مع العلم بمعنى أن صفتي السمع والبصبر هل هما وصفان مستقلّان عن العلم أم يرجعان إليه ؟ بديهيّ أنّ البحث يتّجه إلى المفهوم لا إلى المصداق ، وإلّا من الواضح أنّ السمع والبصر عين العلم مصداقاً ، والعلم عين القدرة وهكذا . وهناك عدد من النظريات في هذه المسألة يمكن المرور عليها كما يلي : النظرية الأولى : إنّ السمع والبصر شعبتان من شعب العلم ، تماماً كما أنّ الخلق من شعب القدرة ، والخبرة من شعب العلم . وهكذا عندما يقال " إنّ الله سميع " فالمقصود مفهوماً علمه سبحانه بالمسموع ، كما أنّه عندما يوصف بالبصير فالمراد أنّه سبحانه له علم بالمبصَر ، وبهذا يرجع السمع والبصر إلى العلم . وهذه النظرية لاقت قبولًا عامّاً من الفلاسفة ومتكلِّمي الإمامية عامّة ، كما مال إليها المعتزلة وآخرون ، حتى قال الشيخ المفيد بهذا الشأن : " ولست أعلم من متكلِّمي الإمامية في هذا الباب خلافاً ، وهو مذهب البغداديين من

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : الخطبة 65 . قال عنها الرضي : إنّ فيها مباحث لطيفة في العلم الإلهي ، ص 96 .