السيد كمال الحيدري
236
دروس في التوحيد
مثلًا يبصر بشيء ولا يسمع به ، كما أنّه يسمع بشيء ولا يبصر به ، لأنَّ البصر والسمع شيئان متغايران ، فهل يجري الأمر نفسه على الله سبحانه بحيث يكون ثَمَّ تعدّد حيثية في ذاته المتعالية ، إذ هو يسمع بحيثية ويبصر بأُخرى ؟ بناء على ما تقدّم من أنّ الله سبحانه بسيط من كلّ جهةٍ ، يتّضح بطلان تعدّد الحيثية ، فلا يحتمل تعدّد الحيثيات ولا يقبل التجزئة . بالإضافة إلى ذلك فإنّ النصوص الروائية تكشف بوضوح على نفي تحيّث الذات ، وتشديد النكير على من ينتحل هذا النمط من التفكير . من هذه الروايات : 1 . عن هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي سأل الإمام الصادق ، أنّه قال له : أتقول إنّه سميع بصير ؟ فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، وبصير بغير آلة ، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه ، وليس قولي ( إنّه يسمع بنفسه ) أنّه شيء ، والنفس شيء آخر ، ولكنّي أردتُ عبارة عن نفسي إذ كنتُ مسؤولًا ، وإفهاماً لك إذ كنتَ سائلًا ، فأقول : يسمع بكلّه ، لا أنَّ كلّه له بعض ، ولكنّي أردت إفهامك والتعبير عن نفسي ، وليس مرجعي في ذلك إلّا إلى أنّه السميع البصير العالم الخبير ، بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى " « 1 » . ينفي النصّ بوضوحٍ تعدّد الحيثيات في الذات . فلو كانت حيثية السمع غير حيثية البصر فمن المستحيل أن تكون ذاته سمعاً كلّه ، وبصراً كلّه ، وعلماً كلّه ، وقدرة كلّها وحياة كلّها . ومع ذلك فإنّ الإمام التزم أقصى حالات الحذر من أن لا توحي إجابته وطبيعة الكلمات التي يستخدمها بالتبعيض والتجزّي . فعندما يقول له : " يسمع بكلّه " يردف ذلك مباشرة : " لا أن كلّه له بعض " إنّما
--> ( 1 ) توحيد الصدوق ، صفات الذات وصفات الأفعال : الحديث 10 ، ص 144 - 145 .