السيد كمال الحيدري

22

دروس في التوحيد

ذكره ، فإنّ هذه الوحدة لا تتمّ إلّا بتمييز هذا الواحد من ذلك الواحد بالمحدودية التي تقهره ، والمقدرية التي تغلبه ، مثال ذلك ماء الحوض إذا فرّقناه في آنية كثيرة كان ماء كلّ إناء ماءً واحداً غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر ، وإنّما صار ماءً واحداً يتميّز عمّا في الآخر لكون ما في الآخر مسلوباً عنه غير مجتمع معه " « 1 » . فإذا ثبت أنّ الله سبحانه قاهر غير مقهور ، وغالب لا يغلبه شيء مطلقاً ، فلا تُتصوَّر في حقّه وحدة عددية ولا كثرة عددية . وبذلك فإنَّ القرآن " يثبت من الوحدة ما لا يستقيم معه فرض أيّ كثرة وتمايز لا في الذات ولا في الصفات ، وكلّ ما فُرِض من شيء في هذا الباب كان عين الآخر ؛ لعدم الحدّ . فذاته تعالى عين صفاته ، وكلّ صفة مفروضة له عين الأخرى " « 2 » . وبهذا يتضح أن البحث القرآني في هاتين الآيتين ، ينتهي إلى أنّ الله سبحانه هو الحقّ المبين ، وهو الحقّ المحض ، وما بعد الحقّ إلّا البطلان . وبه تثبت وحدته القهّارة ، أي : وحدته الحقّة الحقيقية لا الوحدة العددية . دفع وهم قد يحصل وهم من خلال المقارنة بين قول الله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إلهٍ إلَّا إلهٌ وَاحِدٌ ( المائدة : 73 ) ، وقوله سبحانه : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ( المجادلة : 7 ) ، حيث توحي الآية الثانية بالإضافة العددية ، ومن ثم يحصل التنافي بين الآيتين ؟

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 6 ، ص 88 . ( 2 ) المصدر السابق : ج 6 ، ص 91 .