السيد كمال الحيدري

23

دروس في التوحيد

والجواب عن ذلك هو أنّ الآية الثانية لا تريد أن تقول أن الله سبحانه يدخل في عددهم وفي صفّهم ، ولا تفيد مماثلته لهم في تتميم العدد ، لأنّ كلّ واحد من هؤلاء شخص واحد جسمانيّ ، ولمّا ينضمّ إلى مثله يحصل اثنين ، وبانضمام الاثنين إلى مثل آخر يكون ثلاثة ، والله منزّه عن الجسمية . ومقصود الآية المباركة هو المعيّة العلمية إلَّا هُوَ مَعَهُمْ . فما من نجوى إلّا والله يشارك أصحابها في العلم ويطلع على ما يتسارّون به ، لا أنّه يماثلهم في تتميم العدد ؛ فهو تعالى محيط بهم ، عالم بنجواهم ، مكشوف له ما يتسارّون به ويخفونه عن غيرهم ، لا أنّ له وجوداً محدوداً يقبل العدّ بحيث يمكن أن يُفرض له ثان وثالث وهكذا ، لأنّ وحدته سبحانه وحدة حقّة يستحيل معها فرض الغير معه . وممّا يدلّ على أنّ معنى الآية هو المعيّة العلمية لا الاقتران الجسمانيّ صدرُ الآية : أَلَم تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وذيلها : ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إذ يدور كلاهما حول العلم والإحاطة الإلهية « 1 » . وفي الحديث الشريف توضيح للآية وتفسير لها بمعنى الإحاطة والإشراف والقدرة ، حيث جاء عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) في قول الله تعالى : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ ( المجادلة : 7 ) قوله : " هو واحد واحديّ الذات ، بائن من خلقه ، وبذاك وصف نفسه ، ألَا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ( فصّلت : 54 ) بالإشراف والإحاطة والقدرة لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ . . . ( سبأ : 3 ) بالإحاطة والعلم لا بالذات ، لأنّ الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة ، فإذا كان بالذات لزمها الحواية " « 2 » .

--> ( 1 ) ينظر في تفسير الآية : الميزان في تفسير القرآن : مصدر سابق ، ج 19 ، ص 184 - 185 . ( 2 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 127 .