السيد كمال الحيدري
216
دروس في التوحيد
المقدمة الثانية : الإنسان واجد لبعض الكمالات وفاقد لأخرى هذه المقدمة قد تكون واضحة ، إذ الإنسان في أية نشأة في هذا العالم يكون واجداً لبعض الكمالات ، كالوجود والحياة ونحوها ، وفاقداً لكمالات أخرى كثيرة ، وقد يحصل على بعضها من خلال مسيرته في هذه الحياة وقد لا يحصل ، قال تعالى وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( النمل : 78 ) فقد فطر الإنسان على حبّ الكمال ، نعم قد يخطئ الإنسان في تشخيص مصداق الكمال ، ولكن لا يوجد إنسان لا يطلب الكمال . في ضوء هاتين المقدّمتين - وهما : الإنسان فاعل علمي ، وأنه باحث عن الكمال الفاقد له - إذا تصوّر الإنسان فعلًا من الأفعال ثم صدّق بأنّ هذا الفعل لو تحقّق منه في الخارج لحصل على كمال وفائدة له ، فسوف يحصل له شوق وميل لذلك الفعل ، ومن ثَمَّ يحصل له عزم وتصميم وتحريك العضلات لإيجاده ، وهذا العزم وتحريك العضلات لإيجاد الفعل يُطلَق عليه الإرادة التكوينية . وعلى هذا الأساس تكون الإرادة أمراً اختيارياً ؛ إذ لعل الإنسان يحصل له شوق وميل نحو الفعل ، لكن لا يحصل له إجماع عزم وتصميم وتحريك للعضلات لإيجاد ذلك الفعل في الخارج ، كما في الصائم مثلًا ، فإنه يحصل له شوق نحو الأكل ، لكن لا تحصل له إرادة لتناول الأكل . إذن مبادئ الإرادة عند الإنسان هي التصور والتصديق والشوق . ومن هنا يتضح أن المراد من الإرادة التكوينية هو أن لا يتوسّط بينها وبين تحقّق الفعل في الخارج إرادة فاعل آخر .