السيد كمال الحيدري
201
دروس في التوحيد
تماماً كما في الإنسان الجواد ، فلو سألت : الجواد لماذا أعطى ، لجاء الجواب لأنّه جَواد . فالجود هو منشأ العطاء . ولو قُدِّر لهذا الكيف النفساني ( الجود ) أن يتحقّق في الخارج ونسأله : لماذا أعطى ؟ لجاء الجواب : لأنّي جود ، ومن شأن الجود أن يُعطي . كذا الحال في الإنسان الشجاع ، فلو سألت : لماذا أقدم الشجاع في المعركة ؟ لقيل : لأنّه شجاع . ولو تجسّدت الشجاعة في وجود خارجيّ وسُئلَت : لماذا أقدمتِ ؟ لأجابت : لأنّني شجاعة ، ومن طبعي الإقدام . بشأن الله سبحانه يقضي هذا المنطق أنّه يفعل الفعل لأنّه هو ، أي يفعله بنفس ذاته ، لا بداع خارج عنها ، ولا لأنّه أراد أن يوصل النفع ، أو أنّه لا يُسأل عمّا يفعل ، كما مرَّ في نظرية الأشاعرة . هذا المعنى أشار إليه الطباطبائي في حواشيه على " الأسفار " أيضاً ، حيث ذكر : " ثمّ إنّ الواجب تعالى وجود لا يشوبه عدم ، ومطلق غير متقيّد بقيد ، ولا محدود بحدّ ، على ما تدلّ عليه البراهين ، وفاعل للكلّ بنفس ذاته لا بأمر يلحقه من خارج ، وقد أقيم عليه البرهان . فإذا كان ذاته هو مبدأ الفعل ، وهو مطلق غير مقيّد ، فلا يكون مقيّداً بالفعل لامتناع الترك ، ولا بالترك لامتناع الفعل ، بل مبدأ فعله الذي هو ذاته مطلق غير مقيّد بالفعل أو الترك ( أي بوجوب الفعل أو الترك ) وهذه هي القدرة الواجبية ، وهي عين الذات . وإذا كانت الذات المتعالية في مبدئيّتها للفعل مطلقة عن أيّ قيد مفروض ، فلا يقهره شيء هو فوقه أو في عرضه بإيجاب الفعل عليه ، ولا واجب غيره ، ولا يقهره شيء من أفعاله بإيجاب نفسه أو غيره عليه " « 1 » . يتضح من قول العلامة ما يلي :
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، هامش الطباطبائي : ص 307 - 308 .