السيد كمال الحيدري
200
دروس في التوحيد
المعاني التي نعدّها من الكمالات الوجودية القدرة ، ولا تكون إلّا في الفعل دون الانفعال ، فلا نعدّ انفعال الشيء عن غيره - شديداً كان أو ضعيفاً - قدرة . ولا في كلّ فعل ، بل في الفعل الذي لفاعله علم به . فلا نسمّي الفواعل الطبيعية العادمة للشعور قدرةً لها ، ولا في كلّ فعل لفاعله علم به ، بل في الفعل العلمي الذي يبعث العلم به فاعله على الفعل . فليست مبدئية الإنسان مثلًا لأفعاله الطبيعية البدنية ( مثل حركة المعدة في هضم الطعام ونبض القلب ) قدرةً وإن كان له علم بها ، بل الفعل الذي يعلم الفاعل أنّه خير له . . . ولازم العلم بكون الفعل خيراً للفاعل أن يكون كمالًا له يقتضيه بنفسه . . . وإذا فرض أنّه عالم بكونه خيراً له وكمالًا يقتضيه ، انبعث الفاعل إليه بذاته ، لا بإيجاب مقتضٍ غيره وتحميله عليه ؛ فلا قدرة مع الإجبار ، والقادر مختار " « 1 » . ههنا إذن عوامل أو قيود ثلاثة تحيط معنى القدرة ، هي : 1 . المبدئية أو الفعل وعدم الانفعال . 2 . العلم ، إذ ترتبط القدرة بالفعل الذي لفاعله علم به . 3 . الاختيار ، إذ لا يكفي علم الفاعل بالفعل وحسب ، بل لابدّ أن يكون قادراً على الإتيان بالفعل . على هذا يتحصّل : " أنّ القدرة المجرّدة عن النواقص والأعدام هي كون الشيء مبدأً فاعلياً للفعل عن علم بكونه خيراً واختيارٌ في ترجيحه " « 2 » . فإذا ما كان الفاعل ناقصاً فهو يريد من فعله أن يستكمل به نقصه ويدرأُه عن نفسه ، لكون الفعل خيراً للفاعل وكمالًا له . أمّا إذا كان الفاعل تامّاً فلا يستكمل بالناقص ، إنّما يفعل هذا الفعل لأنّه تامّ ، فلتمامه يفعل هذا الفعل ،
--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 296 - 297 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 298 .