السيد كمال الحيدري

198

دروس في التوحيد

إشكال الفخر الرازي ذكر الفخر الرازي إشكالًا أطلقه عدد من المتكلّمين في السابق والحاضر ، حاصله أن الحكماء وإن استطاعوا أن يحافظوا على جهة الوجوب في قدرة الله سبحانه ومشيئته وإرادته ، إلّا أنهم أفرطوا باختياره ، لأن الحقّ سبحانه صار فاعلًا موجَباً مضطرّاً ، لا فاعلًا مكرهاً لأنّه لا يوجد في الخارج أحد يكرهه ، بل العامل الداخلي هو الذي اضطرّه إلى الفعل ، وهو ذاته ، لأنّه علّة تامّة . قال في " المطالب العالية " : " قال أهل الملل والنحل : المؤثّر إمّا أن يقع مع جواز أن لا يؤثّر وهو القادر ، أو أن يؤثِّر لا مع جواز أن لا يؤثّر ، وهو الموجَب ، فهذا التقسيم يدلّ على أنّ كلّ مؤثّر ، فهو إمّا قادر وإمّا موجَب " . إلى أن قال : " قالت الفلاسفة : القول بإثبات مؤثّر يكون تأثيره على سبيل الصحّة ، لا على سبيل الوجوب ، قول مشكل " « 1 » . على أساس هذا الإشكال رفض المتكلّمون التعريف الذي يقدّمه الفلاسفة وعدلوا منه إلى غيره ، بما يفيد أنّ القدرة تعني إمكان الفعل وإمكان الترك . وهذا لا يتمّ إلّا إذا كان هناك داع زائد وحادث ، وأنّ الفعل لا يجب عند تمامية الفاعل . والنقطة الثانية المهمّة التي أنكرها المتكلمون هي قضية أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وهما المقولتان التي آمنت بهما الفلسفة ، لتحفظ اختيارية الفاعل وقدرته على الفعل والترك . في المقابل يرفض الفلاسفة المقولتين كلتيهما : مقولة زيادة الداعي على الذات ، ومقولة إمكان انفكاك المعلول عن علّته التامّة .

--> ( 1 ) المطالب العالية من العلم الإلهي ، تأليف فخر الدين الرازي ، تحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا ، دار الكتاب العربي ، بيروت 1407 ه - : ج 3 ، القادر والموجب بين الفلاسفة والمتكلِّمين وأهل الأديان ، ص 77 .