السيد كمال الحيدري

194

دروس في التوحيد

تحرير محلّ النزاع يمكن لهذه النقطة أن تنطلق من تحليل الفواعل الإمكانية كالإنسان . فعندما نأتي إلى الإنسان كفاعل إمكاني نلمس فيه خصيصتين بارزتين ، هما : الأولى : أن يوجد عنده داعٍ يكون زائداً على ذاته ، وإلّا إذا لم يكن الداعي زائداً على الذات فإنّ الفاعل لا يتحرّك لإيجاد الفعل خارجاً . فالإنسان لا يقوم مثلًا بتهيئة الماء أو شربه إلّا إذا كان عطشاناً . الثانية : أنّ الداعي يدعو إلى أمر معدوم ، وإلّا إذا كان الشيء موجوداً والأمر متحقّقاً فلا معنى لداعوية الداعي إلى الفعل ، لأنّه تحصيل حاصل . إنّ الخصيصة الثانية هي التي تفسّر إصرار المتكلّمين في أن يكون هذا العالم مسبوقاً بالعدم لكي يكون الله سبحانه فاعلًا مختاراً ، وإن لم يكن مسبوقاً بالعدم فلا معنى لتحقّق الداعوية إلى أمر موجود ، لأنّه تحصيل حاصل . هذا ما يرتبط بالفاعل الإنساني ، لكن هل تجري القدرة في الله تعالى في ضوء هاتين الخصيصتين أو الشرطين أيضاً ؟ في البدء لابدّ من التنويه إلى أنّ مسألة الداعي إلى إيجاد الفعل ، وأن الداعي لا يكون إلّا إلى أمر معدوم يُعدّان من أهمّ المسائل الفلسفية . وقد بحث المتكلّمون والحكماء مسألة الداعي إلى الفعل تحت عنوان المقولة التي تفيد : هل أفعال الله سبحانه معلّلة بالأغراض ؟ ثمّ هل ينبغي وجود هذين الشرطين في الله لكي يكون فاعلًا مختاراً ؟ في الحقيقة هنا يكمن محلّ النزاع بين الطرفين . فالمتكلّم يذهب إلى لابدّية الشرطين ، وهو يفترض ضرورة أن يوجد عند الله سبحانه داع زائد على ذاته ، وأنّه لابدَّ وأن يكون الفعل معدوماً ، بينما يرفض الحكيم كلا الشرطين في تعريف القدرة وفهمها ، ثمّ تعليلها وتفسيرها تفسيراً عقلياً .