السيد كمال الحيدري
170
دروس في التوحيد
فيختلف ، فاختلاف الكتب باختلاف الأوقات والآجال إنّما ظهر من ناحية اختلاف التصرف الإلهي بمشيئته ، لا من جهة اختلافها في أنفسها ومن ذواتها بأن يتعيّن لكلّ أجل كتاب في نفسه لا يتغيّر عن وجهه ، بل الله سبحانه هو الذي يعيّن ذلك بتبديل كتاب مكان كتاب ، ومحو كتاب وإثبات آخر " « 1 » . إن الموضع الذي تثبت به هذه المتغيّرات هو الذي يطلق عليه لوح المحو والإثبات . بتعبير آخر : إن للأشياء المشهودة جهتين : جهة تغيّر ، تشهد عليه سنّة التغيّر الجارية في جميع أرجاء العالم المشهود ، وجهة ثبات ، وحيث بان آنفاً أنّ أمّ الكتاب تمثّل جهة الثبات ، فإنّ كتاب المحو والإثبات يمثِّل جهة التغيّر . علاقة المتغيِّر بالثابت لماذا ختمت الآية الكريمة بقوله : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَاب ؟ بتعبير آخر : لماذا ختم ما هو متغيّر بما هو ثابت ؟ ثمّ ما هي العلاقة بين لوح المحو والإثبات وأمّ الكتاب ؟ يعلّل الطباطبائي ذلك على أساس دفع محذور قد يوهم بأن التغيّر قد يجري في القضايا والأمور تبعاً للعلل والعوامل الخارجية ، من دون أن توجد صورة ثابتة مسبقة يرجع إليها ، أو أنّه يتمّ جزافاً ممّا يؤدي إلى اضطراب نظام الخليقة العامّ . يقول في ذلك : " وقوله وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَاب أي أصله ، فإنّ الأمّ هي الأصل الذي ينشأ منه الشيء ويرجع إليه ، وهو دفع للدخل وإبانة لحقيقة الأمر ، فإنّ اختلاف حال الكتاب المكتوب لأجلٍ بالمحو والإثبات ، أي تغيّر الحكم المكتوب والقول المقضي به حيناً بعد حين ربما أوهم أن الأمور والقضايا ليس لها عند الله سبحانه صورة ثابتة ، وإنما يتبع حكمه العلل والعوامل الموجبة له من خارج كأحكامنا وقضايانا معاشر ذوي الشعور من
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 11 ، ص 375 .