السيد كمال الحيدري

171

دروس في التوحيد

الخلق ، أو أنّ حكمه جزافيّ لا تعيّن له في نفسه ولا مؤثّر في تعيّنه من خارج ، كما ربما يتوهّم أرباب العقول البسيطة أنّ الذي له ملك مطلق وسلطنة مطلقة ، له أن يريد ما يشاء ويفعل ما يريد على حريّة مطلقة من دون رعاية أيّ قيد وشرط ، وسلوك أيّ نظام أو لا نظام في عمله ، فلا صورة ثابتة لشيء من أفعاله وقضاياه عنده ، وقد قال تعالى : مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ( ق : 29 ) ، وقال : وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ( الرعد : 8 ) إلى غير ذلك من الآيات . فدفع هذا بقوله : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَاب أي أصل جنس الكتاب ، والأمر الثابت الذي يرجع إليه هذه الكتب التي تُمحى وتثبت بحسب الأوقات والآجال ، ولو كان هو نفسه يقبل المحو والإثبات لكان مثلها لا أصلًا لها ، ولو لم يكن من أصله كان المحو والإثبات في أفعاله تعالى إمّا تابعاً لأمور خارجية تستوجب ذلك ، فكان تعالى مقهوراً مغلوباً للعوامل والأسباب الخارجية مثلنا ، والله يحكم لا معقِّب لحكمه . وإمّا غير تابع لشيء أصلًا ، وهو الجزاف الذي يختلّ به نظام الخلقة والتدبير العامّ الواحد بربط الأشياء بعضها ببعض جلّت عنه ساحته ؛ قال تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالحَقِّ ( الدخان : 38 - 39 ) " « 1 » . بهذا يتّضح أنّ لله سبحانه في كلّ وقت وأجل قضاءَين : متغيّر وثابت . ففي المتغيِّر يمحو الله ما يشاء من هذه الكتب والأحكام والأقضية ويثبت ما يشاء ، بحيث يغيّر القضاء الثابت في وقت فيضع مكانه في الوقت الثاني قضاءً آخر . لكن ثمّ إلى جوار هذا الكتاب ( أي الحكم والقضاء ) المتغيّر ، كتاباً أو قضاءً ثابتاً عنده سبحانه إلى كلّ وقت لا يقبل المحو والإثبات ، وهو الأصل الذي ترجع إليه الأقضية الأُخر وتنشأ منه ، فيمحو ويثبت على حسب ما يقتضيه هو .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 376 .