السيد كمال الحيدري

163

دروس في التوحيد

وأوضح الطباطبائي ذلك في ذيل قوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( الزخرف : 4 ) ، بقوله : " والمراد بكونه " عليّاً " - على ما يعطيه مفاد الآية - أنّه رفيع القدر والمنزلة من أن تناله العقول ، وبكونه " حكيماً " أنّه هناك محكم غير مفصّل ولا مجزّأ إلى سور وآيات وجمل وكلمات ، كما هو كذلك بعد جعله قرآناً عربيّاً وهو المستفاد من قوله : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود : 1 ) . وهذان النعتان ؛ أعني كونه " عليّاً حكيماً " هما الموجبان لكونه وراء العقول البشريّة ؛ فإنّ العقل في فكرته لا ينال إلّا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أوّلًا ، وكان مؤلّفاً من مقدّمات تصديقيّة يترتّب بعضها على بعض كما في الآيات والجمل القرآنية ، وأمّا إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ ، وكان غير متّجز إلى أجزاء وفصول ، فلا طريق للعقل إلى نيله . فمحصّل معنى الآيتين : أنّ الكتاب عندنا في اللوح المحفوظ ذو مقام رفيع وإحكام ، لا تناله العقول لذينك الوصفين ، وإنّما أنزلناه بجعله مقروّاً عربيّاً رجاء أن يعقله الناس " « 1 » . وممّا يعضد ذلك أيضاً قوله تعالى : فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ( الواقعة : 75 - 79 ) ، " فإنّه ظاهر في أنّ للقرآن موقعاً هو في الكتاب المكنون ، لا يمسّه هناك أحد إلّا المطهّرون من عباد الله ، وأنّ التنزيل بعده ، وأمّا قبل التنزيل فله موقع في كتاب مكنون عن الأغيار ، وهو الذي عبّر عنه في آيات الزخرف بأمّ الكتاب ، وفي سورة البروج باللّوح المحفوظ ، وهذا اللوح إنّما كان محفوظاً لحفظه من ورود التغيّر عليه ، ومن المعلوم أنّ القرآن المنزّل

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 18 ص 84 .