السيد كمال الحيدري
164
دروس في التوحيد
تدريجاً ، لا يخلو من ناسخ ومنسوخ ، وعن التدريج الذي هو نحو من التبدّل . فالكتاب المبين الذي هو أصل القرآن وحكمه الخالي عن التفصيل ، أمر وراء هذا المنزل ، وإنّما هذا بمنزلة اللباس لذاك " « 1 » . الأمر الثاني : الفارق بين الكتاب المبين والخزائن الإلهيّة تقدّم في بحث سابق أنّ كلّ ما يطلق عليه شيء ، فله خزائن عنده تعالى ، فهل الكتاب المبين - الذي يحصي كلّ شيء ، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات والأرض ، لا أصغر من ذلك ولا أكبر - هو الخزائن ؟ للإجابة عن هذا التساؤل نقول : في ضوء الآيات القرآنيّة التي تعرّضت لكلّ من الخزائن والكتاب المبين ، يتّضح أنّ من خصائص وصفات الخزائن أنّها لا حدّ ولا قدر لها ، وإنّما الحدّ يبدأ بعد الإنزال من تلك الخزائن ؛ قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) . فالآية دالّة بوضوح على عدم وجود الحدّ والقدر للأشياء قبل نزولها من الخزائن . وهذا يكشف عن أنّ وجود الأشياء في الخزائن بنحو آخر ، وهو الوجود الإجمالي البسيط . وأمّا في الكتاب المبين ، فهو يشتمل على تفاصيل الأشياء وحدودها وقدرها ، كما هو ظاهر الآيات المتقدّمة . وبهذا يتبيّن أنّ الخزائن غير الكتاب المبين ، وهذا المعنى أشار إليه الطباطبائي حيث قال : " إنّ هذا الكتاب بوجهٍ غير مفاتح الغيب وخزائن الأشياء التي عند الله سبحانه ، فإنّ الله تعالى وصف هذه المفاتح والخزائن بأنّها غير مقدّرة ولا محدودة ، وأنّ القدر إنّما يلحق الأشياء عند نزولها من خزائن الغيب إلى هذا العالم الذي هو مستوى الشهادة ، ووصَف هذا الكتاب بأنّه
--> ( 1 ) المصدر السابق : ج 2 ص 17 .