السيد كمال الحيدري

162

دروس في التوحيد

الخصوصيّة الرابعة : عدم استطاعة العقل البشري أن ينال ما فيه وهذا واضح لأنّ العقل البشري لا ينال إلّا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ ، أمّا إذا كان الأمر وراء ذلك فلا يمكن للعقل أن يلامسه ، لأنّه خارج عن حدوده ودائرته . وهذه الحقيقة قرّرها صدر الدِّين الشيرازي بقوله : " وللقرآن في كلّ مرتبة ومقام حَمَلة يحفظونه ويكتبونه ولا يمسّونه إلّا بشرط طهارتهم عن حدثهم أو عن حدوثهم ، ونزاهتهم وانسلاخهم عن مكانهم أو عن إمكانهم ، والقشر من الإنسان لا يدرك إلّا القشور من القرآن ، والإنسان القشري من الظاهريّة لا يدرك إلّا المفهومات القشريّة والنكات البيانيّة والأحكام العمليّة والسياسات الشرعيّة ، وأمّا روح القرآن وسرّه ولبّه فلا يدركه إلّا أولو الألباب وذوو البصائر ، إذ حقيقة الحكمة لا تنال إلّا بموهبة الله ولا يبلغ الإنسان إلى مرتبة يسمّى حكيماً إلّا بأن يفيض الله عليه من حكمته حكمةً ومن لدنه علماً ، لأنّ العلم والحكمة من صفاته الكماليّة ، والعليم والحكيم من أسماء الله الحسنى ، ولابدّ في من له نصيب منهما أن يكون ذلك بمجرّد موهبة الله إيّاه ، ولذلك قال سبحانه بعد قوله : وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ : ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( الجمعة : 4 ) ، وسمّى الحكمة خيراً كثيراً ، وقال : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ " ( البقرة : 269 ) " « 1 » . وهذا المعنى هو الذي تحدّث عنه القرآن في قوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ( الواقعة : 77 - 79 ) ، فقد حصرت الآية الكريمة مسّ الكتاب المكنون والوصول إليه بالمطهّرين خاصّة ، أمّا من هم المطهّرون ؟ فهذا ما ستأتي الإشارة إليه .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 7 ص 39 .