السيد كمال الحيدري

127

دروس في التوحيد

المسألة الثانية : علمه قبل الإيجاد إجمالي في عين الكشف التفصيلي ليس المراد من العلم الإجمالي هو العلم المبهم ، لأنّه من المُحال أن يكون مبهماً ومفصّلًا في آن واحد ، وإنّما المقصود منه هو العلم البسيط غير المركّب ، ومثّلوا له بما إذا سألك سائل عن عدّة من المسائل التي لك بها علم ، فحضرك الجواب في الوقت ، وأنت في أوّل لحظة تأخذ في الجواب تعلم بها جميعاً علماً يقينيّاً بالفعل ، لكن لا تميّز لبعضها من بعض ولا تفصيل ، وإنّما يحصل التميّز والتفصيل بالجواب ، كأنّ ما عندك من بسيط العلم منبع تنبع وتجري منه التفاصيل ، ويسمّى : ( عقلًا إجماليّاً ) « 1 » فهو من جهة علمٌ إجمالي فيه كلّ التفاصيل ؛ لأنّ المجتهد قبل أن يُجيب عن الأسئلة يكون لديه علمٌ إجمالي ، ولكن بعد أن يسأل فإنّه يُجيب بالتفاصيل . فالعلم الإجمالي هو الأصل والعلوم التفصيليّة فروعه وآثاره . وبهذا يتّضح الفرق بين العلم الإجمالي والتفصيلي الفلسفي ، والعلم الإجمالي والتفصيلي في علم الأصول ، فإنّ العلم الإجمالي عند الأصوليّين يرجع في الحقيقة إلى علم من جهة وجهل من جهة أُخرى ، لأنّه علم بصورة كلّية كالعالم بنجاسة أحد الإنائين مثلًا وجهل بأيّ من الإنائين بعينه ، وكلّما ازدادت أطراف العلم الإجمالي ازداد الإبهام والجهل . أمّا العلم الإجمالي الفلسفي فهو علمٌ بسيط فيه جميع تفاصيل العلم التفصيلي ، فهو مصدرها ومنبعها والخلّاق لها .

--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : الفصل الخامس من المرحلة الحادية عشرة ، ص 248 .