السيد كمال الحيدري

68

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْء « 1 » وهو نصٌّ ممتلئ الدلالة على أنّ النظام الموجود هو النظام الأتقن الذي لا يتخلّله اضطراب ولا ينفذ إليه فساد . على أنّ الأمر لا يقتصر على هذه الكريمة وحدها ، بل تطلع علينا مقدّمة سورة الملك بمشهد يحكي التماسك والترابط والوحدة في النظام الوجودي ، وأنّ عالم الإمكان لا ينطوي على أيّ ضرب من النقص والتفاوت والفساد ، يقول سبحانه : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماوات طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ « 2 » . أمّا المثال الذي ضربه الله لنفي تعدّد الآلهة فهو في قوله تعالى : ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ « 3 » ، قال الراغب : « الشكس - بالفتح فالكسر - سيّئ الخلق ، وقوله : شركاء متشاكسون أي متشاجرون لشكاسة خلقهم » . « مثلٌ ضربه الله للمشرك الذي يعبد أرباباً وآلهةً مختلفين فيشتركون فيه وهم متنازعون ، فيأمره هذا بما ينهاه عنه الآخر وكلٌّ يريد أن يتفرّد فيه ويخصّه بخدمة نفسه ، وللموحِّد الذي هو خالص لمخدوم واحد لا يشاركه فيه غيره فيخدمه فيما يريد منه من غير تنازع يؤدّي إلى الحيرة ، فالمشرك هو

--> ( 1 ) النمل : 88 . ( 2 ) الملك : 3 - 4 . ( 3 ) الزمر : 29 .