السيد كمال الحيدري

47

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

يترتّب على ذلك أنّ هذه الخزائن بعضها فوق بعض ، وكلّ ما هو عال منها غير محدود بحدّ ما هو دان ، باللغة الفلسفية تنتظم تلك المراتب قاعدة العلّة والمعلول ، بحيث تكون المرتبة الدانية مقيّدة بقيد عدمي فاقدة لكمال ، على حين ليست المرتبة العالية التي علّتها مقيّدة بالقيد نفسه وإلّا لما كانت علّة والمرتبة الدانية معلولًا . هل تلك الخزائن هي في عالمنا المادّي المشهود وليست هي فوق هذا العالم ؟ تنصّ الآية : وَإنْ مِنْ شَيْء إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ فأضافت الخزائن إلى الله سبحانه بقرينة « عندنا » . عند العودة إلى القرآن نراه يميّز بين « ما عندكم » وبين « ما عند الله » ويُعطي حكمين مختلفين للموجودات والأشياء التي تدخل في دائرة « ما عندكم » عن تلك الموجودات التي تدخل في دائرة « ما عند الله » حيث يقول سبحانه : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باق « 1 » . وبربط هذه الآية مع الآية مورد البحث وَإنْ مِنْ شَيْء إلّا عِنْدَنا يتّضح أنّ تلك الخزائن أمورٌ ثابتة غير زائلة ولا متغيّرة لأنّها عند الله ، وما عند الله باق ، فإذن هي فوق عالمنا المشهود ، لأنّ الأشياء في هذه النشأة المادّية وفي عالمنا المحسوس متغيّرة فانية لا تتّسم بالثبات ولا بالبقاء . هكذا ينتهي التحليل المضموني في خاتمة هذه النقطة إلى أنّ الخزائن الإلهية التي تذكرها الآية هي جميعاً فوق عالمنا المشهود ، بحكم انتسابها إلى ما عند الله ، وما عند الله باق ، ومن ثَمَّ فهي أمور ثابتة غير زائلة .

--> ( 1 ) النحل : 96 .