السيد كمال الحيدري
241
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
حيوان ، ثمّ الحيوان يأكل بعضه بعضاً ، ثمّ الأرض يأكل الجميع ، بل المراد أنّ هذه الأشياء على ما بينها من الافتراس والانتهاش تتعاون في تحصيل الأغراض الإلهية ويتسبّب بعضها ببعض للوصول إلى مقاصدها النوعية ، فمثلها مثل القدّوم والخشب فإنّهما مع تنازعهما يتعاونان في خدمة النجّار في صنعة الباب مثلًا ، ومثل كفّتي الميزان فإنّهما في تعارضهما وتصارعهما يطيعان من بيده لسان الميزان لتقدير الوزن ، وهذا بخلاف الباطل كوجود كلال في القدّوم أو بخْس في المثقال ، فإنّه يعارض الغرض الحقّ ويخيب السعي فيفسد من غير إصلاح ويضرّ من غير نفع . ومن هذا الباب غالب آيات التسخير في القرآن كقوله : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ « 1 » ، فكلّ شيء منها يفعل ما يقتضيه طبعه غير أنّه يسلك في ذلك إلى تحصيل ما أراده الله سبحانه من الأمر . وهذه الأصول المستفادة من الآية الكريمة هي المنتجة لتفاصيل أحكام الصنع والإيجاد . الحقّ والباطل على مستوى العلوم والاعتقادات إنّ هذه الأُصول كما تجري في الأمور العينيّة كذلك تجري في العلوم والاعتقادات ، فإنّ المعارف الحقّة الإلهية كالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب من غير تقييد بكمّية ولا
--> ( 1 ) الجاثية : 13 .