السيد كمال الحيدري

242

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

كيفيّة ، ثمّ إنّها كالسيل السائل في الأودية تتقدّر بأقدار مختلفة من حيث السعة والضيق ، وهذه الأقدار أمور ثابتة كلٌّ في محلّه ، كالحال في أُصول المعارف والأحكام التشريعيّة ومصالح الأحكام التي ذكرنا فيما مرّ أنّها روابط تربط الأحكام بالمعارف الحقّة . هذا حكمها في نفسها مع قطع النظر عن البيان اللفظي ، وهي في مسيرها ربما صحبت ما هو كالزبد يظهر ظهوراً ثمّ يسرع في الزوال ، وذلك كالأحكام المنسوخة التي تنسخه النواسخ من الآيات ، فإنّ المنسوخ مقتضى ظاهر طباعه أن يدوم لكنّ الحكم الناسخ يبطل دوامه ويضع مكانه حكماً آخر . هذا بالنظر إلى نفس هذه المعارف مع قطع النظر عن ورودها وادي البيان اللفظي . وأمّا المعارف الحقّة من حيث كونها واردة في ظرف اللفظ والدلالة ، فإنّها بورودها أودية الدلالات اللفظية تتقدّر بأقدارها ، تتشكّل بأشكال المرادات الكلامية بعد إطلاقها ، وهذه أقوال ثابتة من حيث مراد المتكلِّم بكلامه ، إلّا أنّها مع ذلك أمثال يمثّل بها أصل المعنى المطلق غير المتقدّر ، ثمّ إنّها بمرورها في الأذهان المختلفة تحمل معاني غير مقصودة كالزبد في السيل ، لأنّ الأذهان من جهة ما تخزنه من المرتكزات والمألوفات تتصرّف في المعاني المُلقاة إليها ، وجلّ هذا التصرّف إنّما هو في المعاني غير المألوفة كالمعارف الأصلية ، ومصالح الأحكام وملاكاتها كما مرّ ، وأمّا الأحكام والقوانين فلا تصرّف فيها مع قطع النظر عن ملاكاتها فإنّها مألوفة ، ومن هنا يظهر أنّ المتشابهات إنّما هي الآيات من حيث اشتمالها على الملاكات والمعارف ، دون متن الأحكام والقوانين الدينيّة .