السيد كمال الحيدري
234
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
توضيح ذلك يتوقّف على ذكر مقدّمات : الأولى : إنّ الله سبحانه ذكر أنّ لكتابه تأويلًا هو الذي تدور مداره المعارف القرآنية والأحكام والقوانين وسائر ما يتضمّنه التعليم الإلهي ، وأنّ هذا التأويل الذي تستقبله وتتوجّه إليه هذه البيانات أمرٌ يقصر عن نيله الأفهام وتسقط دون الارتقاء إليه العقول ، إلّا نفوس طهّرهم الله وأزال عنهم الرجس ، فإنّ لهم خاصّة أن يمسّوه . الثانية : أنّه لمّا كانت عامّة الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا يرقى عقلهم إلى ما فوق عالم المادّة والطبيعة ، وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلمية إلى الورود في إدراك المعاني وكلّيات القواعد والقوانين ، يختلف أمره باختلاف الوسائل التي يسّرت له الورود في عالم المعاني والكلّيات ، كان ذلك موجباً لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحسّ والمحسوس ، اختلافاً شديداً ذا عرض عريض على مراتب مختلفة ، وهذا أمرٌ لا ينكره أحد . ولا يمكن إلقاء معنىً من المعاني إلى إنسان إلّا من طريق معلوماته الذهنية التي تهيّأت عنده في خلال حياته وعيشه ، فإن كان مأنوساً بالحسّ فمن طريق المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحسّ ، كما يمثّل لذّة النكاح للصبي بحلاوة الحلواء ، وإن كان نائلًا للمعاني الكلّية فيما نال وعلى قدر ما نال ، وهذا ينال المعاني من البيان الحسّي والعقلي معاً بخلاف المأنوس بالحسّ . الثالثة : إنّ الهداية الدينيّة لا تختصّ بطائفة دون طائفة من الناس ، بل تعمّ جميع الطوائف وتشمل عامّة الطبقات ، قال تعالى : شَهْرُ