السيد كمال الحيدري
209
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
فالظاهر أنّ المراد بالسمع والبصر هاهنا ما يختصّ بأحبّاء الله والمتألّهين والمقرّبين ، لا المُبعدين الناكرين ممّن ليس لهم نصيبٌ من القرآن ، وهم عن السمع لمعزولون وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ « 1 » . ولو كان لفظ السمع والبصر والقلب أينما وقع في القرآن كان المراد منه ما وقع فيه الاشتراك لجميع الناس من هذه المشاعر الحسّية الدنيوية ، لما سلب الله سبحانه معانيها عن أهل الكفر والجهل بقوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ « 2 » ، مع وجود هذه الآلات فيهم ، وكذا قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالأنْعامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ « 3 » لعدم انتفاعهم بهذه الآلات بصرفها فيما خُلقت لأجله ليزيدهم بسبب شكر هذه النِّعم الدنيوية نعمة بواطن هذه المشاعر وحقائقها ، أو لعدم نصيبهم من تلك النِّعم الباطنية ، وزوال استعدادهم واستحقاقهم لها . . » « 4 » . أمّا الفيض الكاشاني فإنّه يتناول هذه النظرية في المقدّمة الرابعة من مقدّمات تفسيره ، ويقدّم لها بما يدلّ على أهمّيتها الفائقة ؛ لما يترتّب عليها من نتائج وافرة ، حيث يقول : « إنّ الكلام في ذلك هو من
--> ( 1 ) الأنفال : 23 . ( 2 ) البقرة : 171 . ( 3 ) الأعراف : 179 . ( 4 ) تفسير القرآن الكريم : ج 8 ص 68 ، مفاتيح الغيب : ص 87 .