السيد كمال الحيدري
192
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
ومن العلماء من أخذ في الاعتذار عنه أنّ غرضه في المنع من التأويل ، رعاية إصلاح الخلْق وحسم الباب للوقوع في الرفض والخروج عن الضبط ، فإنّه إذا فتح باب التأويل وقع الخلق في الخرق والعمل بالرأي ، فخرج الأمر عن الضبط وتجاوز الناس عن حدّ الاقتصاد . وذهب طائفة إلى الاقتصاد في باب التأويل ، ففتحوا باب التأويل في المبدأ وسدّوها في المعاد ، فأوّلوا في كلّ ما يتعلّق بصفات الله من الرحمة والعلوّ والعظمة وغيرها ، وتركوا ما يتعلّق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل فيها ، وهم الأشعرية - أصحاب أبي الحسن الأشعري . وزاد المتفلسفون والطبيعيّون والأطبّاء ، فأوّلوا كلّ ما ورد في الآخرة وردّوها إلى آلام عقلية روحانية ولذّات عقلية روحانية ، وأنكروا حشر الأجساد ، وقالوا ببقاء النفوس مفارقة إمّا معذّبة بعذاب أليم ، وإمّا منعّمة براحة ونعيم لا يدرك بالحسّ ، وهؤلاء هم المسرفون عن حدّ الاقتصاد » « 1 » . من هنا طالب الغزالي والشيرازي بموقف وسط يقع بين « برودة جمود الحنابلة وحرارة انحلال المؤوّلة » . ومن الواضح أنّ مثل هذا الموقف « دقيق وغامض لا يطّلع عليه إلّا الراسخون في العلم والحكمة والمكاشفون الذين يدركون الأمور بنور إلهيّ ، لا بالسماع الحديثيّ ولا
--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم : ج 5 ص 151 ؛ إحياء علوم الدِّين : ج 1 ص 103 .