السيد كمال الحيدري

193

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

بالفكر البحثيّ » إنّ هذا الموقف من « الراسخين في العلم ليس كموقف الأشاعرة ، لأنّ موقفهم - أي الأشاعرة - ممتزج من التأويل في البعض والتشبيه في البعض ، وأمّا موقف هؤلاء فهو أرفع من القسمين وأعلى من جنس الطرفين ، حيث انكشف لهم بنور المتابعة أسرار الأمور على ما هي عليها من جانب الله بنور قُذف في قلوبهم وشُرح به صدورهم ، ولم ينظروا إلى هذه الأمور من السماع المجرّد ونقل الألفاظ من الرواة ، ليقع بينهم الاختلاف في المنقول ، فلا يستقرّ فيها قدمٌ ولا يتعيّن موقفٌ » « 1 » . نعم ، يبقى كيف يبلغ الإنسان هذه الموازنة الدقيقة ، وما هي مكوّنات الموقف على هذا الصعيد ؟ ثمّ ماذا لو اختلط الأمر ، أيترك الإنسان الظاهر لمصلحة الباطن ، أم الباطن لأجل الظاهر ؟ يؤكّد الشيرازي ضرورة الإيمان بالظاهر وتركه على حاله ، وذلك « لأنّ ترك الظواهر يؤدّي إلى مفاسد عظيمة ، نعم إذا كان الحمل على الظواهر مناقضاً لأُصول صحيحة دينيّة وعقائد حقّة يقينيّة ، فينبغي للإنسان حينئذ أن يتوقّف فيها ، ويحيل علمه إلى الله ورسوله والأئمّة المعصومين عليهم السلام الراسخين في العلم ، ثمّ يترصّد الرحمة من عند الله ، ويتعرّض لنفحات كرمه وجوده رجاء أن يأتي الله بالفتح ، أو أمر من عنده ، أو يقضي الله أمراً كان مفعولًا ، امتثالًا لأمره فيما روي عن النبيّ صلّى الله عليه وآله : إنّ لله في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها .

--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم : ج 5 ص 153 .