السيد كمال الحيدري

104

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

وعلى كلّ حال « فإنّ الآملي يرى أنّ الغرض الذي يسوق إليه التأويل لا يجوز تفويته ، ولقد نبعت ضرورة التأويل من ضرورة غرضه وأهمّية غايته ومقصده ، لكنّ هذا الغرض عند الصوفي مختلف عن غرض أهل الشريعة وأصحاب الظاهر . ولقد عرفنا أنّ غرض أهل الشريعة الذي أكّدوا عليه في مقام تبرير التأويل وبيان ضرورته هو التخلّص من المفاسد التي تدلّ عليه ظواهر كثير من الآيات ، ويحكم العقل أو الشرع باستحالة وقوعها ، وعدم إمكان الذهاب إليها والاعتقاد بها ، كالتشبيه والتعطيل والتجسيم . وافترض الآملي أنّ مثل هذا الغرض جليل والسعي إلى تحقيقه ومحاولة إنجازه مكرمة وفضيلة ، ومن يسعى إليه ابتغاء مرضاة الله يؤته الله أجراً عظيماً » « 1 » . أمّا عند الصوفية فالغرض أعظم من ذلك وأكبر وأهمّ وأسمى ، وهو تحصيل المعرفة الشهودية الحقيقيّة ، والاطّلاع على الأسرار الربّانية المودعة في اللّوح المحفوظ والمنطبعة في النفس الكلّية تفصيلًا وإجمالًا ، ذلك أنّ « رئيس المعارف كلّها وأُصول الحقائق بأجمعها باتّفاق الأنبياء والأولياء عليهم السلام ثلاث : معرفة الحقّ تعالى ، ومعرفة العالم ، ومعرفة الإنسان ، وإن كانت هذه الثلاث في الحقيقة ترجع إلى واحدة منها هي معرفة الحقّ تعالى ، لأنّ معرفة العالم ومعرفة الإنسان سُلّم ومعارج إلى معرفة الحقّ التي هي المقصودة

--> ( 1 ) العرفان الشيعي ، د - خنجر علي حمية ، دراسة في الحياة الروحية والفكرية لحيدر الآملي ، دار الهادي ، الطبعة الأُولى : 1425 ه - : ص 704 ، فلسفة الدين والكلام الجديد