السيد كمال الحيدري
54
يوسف الصديق (رؤية قرآنية)
2 أدب العبودية قال سبحانه وتعالى بعد أن ذكر عدّة من أنبيائه عليهم السلام في سورة مريم : أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ( « 1 » . تقرّر الآية الكريمة نوعاً آخر من الأدب العام الذي اتّصفّ به الأنبياء عليهم السلام ، ويتمثّل في أنّ معيشتهم مبنيّة على الخضوع عملًا وعلى الخشوع قلباً لله عزّ اسمه ، فمن المؤكّد أنّ سجودهم عند ذكر آيات الله تعالى هو مثال للخضوع ، ومن جهة أُخرى فإنّ بكاءهم وهو الحاصل من رقّة القلب وتذلّل النفس هو آية الخشوع ، وهاتان الحالتان أي الخضوع والخشوع تمثّلان كناية عن صفة أُخرى مستولية على الأنبياء وهى العبودية التي استولت على نفوسهم بحيث كلّما ذُكّروا بآية من آيات الله بان أثرها في ظاهرهم كما استولت على باطنهم ، فهم دائماً على هذا الأدب الإلهى وهو سمة العبودية إذا خلوا مع ربّهم وإذا خلوا للناس . وعليه فإنّ هذا الأدب العام يقرّر بأنّ سمة العبودية هي المستولية على كلّ مفاصل حياتهم ، أي أنّ بنية حياتهم مبنيّة على أساس أنّ لهم ربّاً يملكهم ويدبّر أمرهم ، منه بدؤهم وإليه مرجعهم ، وهذا هو الأصل الذي تؤول إليه جميع أحوالهم وأعمالهم .
--> ( 1 ) مريم : 59 58 .