السيد كمال الحيدري
51
الولايه التكوينية (حقيقتها ومظاهرها)
ومن الواضح أنّ هذا اليقين ليس من سنخ اليقين المرتبط بالمفاهيم والعلوم الحصولية ، ولذا أعرض الإمام عليه السلام عن تفسير هذا اللون من اليقين بأكثر مما بيّنه في الرواية ، لأجل صعوبة استيعابه وتعسّر هضمه حتى لكبار الأجلّاء كيونس بن عبد الرحمن الذي هو من خواصّ الإمام عليه السلام . 4 عن إسحاق بن عمّار قال : « سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله صلّى الناس الصبح فنظر إلى شابّ من الأنصار وهو في المسجد يخفق ويهوى برأسه ، مصفرّ لونه ، نحيف جسمه ، وغارت عيناه في رأسه ، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله : كيف أصبحت يا فلان ؟ فقال : أصبحت يا رسول الله موقناً . فعجب رسول الله صلّى الله عليه وآله من قوله وقال له : إنّ لكلّ شئ حقيقة ، فما حقيقة يقينك ؟ قال : إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزننى وأسهر ليلى وأظمأ هواجرى ، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأنّى أنظر إلى عرش ربّى وقد نُصب للحساب وحُشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأنّى أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون فيها ويتعارفون ، على الأرائك متّكئين ، وكأنّى أنظر إلى أهل النار فيها معذَّبين يصطرخون ، وكأنّى أسمع الآن زفير النار يدور في مسامعى . قال : فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله لأصحابه : هذا عبد نوّر الله قلبه للإيمان ، ثم قال : الزم ما أنت عليه . فقال له الشابّ : يا رسول الله ادعُ الله لي أن أُرزق الشهادة معك . فدعا له رسول الله صلّى الله عليه وآله بذلك ، فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبىّ فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر » « 1 » .
--> ( 1 ) المحاسن ، أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، تحقيق : جلال الدين الحسيني ، دار الكتب الإسلامية ، طهران : ج 1 ، ص 250 - 251 .