السيد كمال الحيدري
430
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
شيء إلى ما يتمّ به خلقه ، ومن تمام خلقة الإنسان أن يهتدي إلى كمال وجوده في الدنيا والآخرة ، وقد قال تعالى أيضاً : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( الإسراء : 20 ) ، وهذه الآية تفيد أن شأنه تعالى هو الإمداد بالعطاء ، يمدّ كلّ من يحتاج إلى إمداده في طريق حياته ووجوده ويعطيه ما يستحقّه ، وإن عطاءَه غير محظور ولا ممنوع من قبله تعالى إلا أن يمتنع ممتنع بسوء حظ نفسه من قِبل نفسه لا من قِبله تعالى . ومن المعلوم أن الإنسان غير متمكن من تتميم هذه النقيصة من قِبل نفسه ، فإنّ فطرته هي المؤدّية إلى هذه النقيصة ؛ فكيف يقدر على تتميمها وتسوية طريق السعادة والكمال في حياته الاجتماعية ؟ وإذا كانت طبيعة الإنسانية هي المؤدّية إلى هذا الاختلاف العائق للإنسان عن الوصول إلى كماله الحريّ به ، وهي قاصرة عن تدارك ما أدّت إليه وإصلاح ما أفسدته ، فالإصلاح لو كان يجب أن يكون من جهة غير جهة الطبيعة وهي الجهة الإلهية التي هي النبوّة بالوحي ، ولذا عبّر تعالى عن قيام الأنبياء بهذا الإصلاح ورفع الاختلاف بالبعث ، ولم ينسبه في القرآن كلّه إلا إلى نفسه ، مع أن قيام الأنبياء كسائر الأمور له ارتباطات بالمادّة بالروابط الزمانية والمكانية . فالنبوة حالة إلهية وإن شئت قل غيبية نسبتها إلى هذه الحالة العمومية من الإدراك والفعل نسبة اليقظة إلى النوم ، بها يدرك الإنسان المعارف التي بها يرتفع الاختلاف والتناقض في حياة الإنسان ، وهذا الإدراك والتلقّي من الغيب هو المسمى في لسان القرآن بالوحي ، والحالة التي يتّخذها الإنسان منه لنفسه بالنبوة .