السيد كمال الحيدري

356

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

الذهن الذي صنعه بحكم كونه محدوداً ونسبياً . فلابد للمسيرة الإنسانية من مطلق ، ولابد أن يكون مطلقاً حقيقياً يستطيع أن يستوعب المسيرة الإنسانية ويهديها سواء السبيل مهما تقدّمت وامتدّت على خطّها الطويل ويمحو من طريقها كلّ الآلهة الذين يطوّقون المسيرة ويعيقونها . وبهذا تعالج المشكلة بقطبيها معاً . وهذا العلاج يتمثّل في ما قدّمته السماء إلى الأرض من عقيدة الإيمان بالله بوصفه المطلق الذي يمكن أن يربط الإنسان المحدود مسيرته به دون أن يسبّب له أيّ تناقض على الطريق الطويل . فالإيمان بالله يعالج الجانب السلبي من المشكلة ويرفض الضياع والإلحاد واللا انتماء ؛ إذ يضع الإنسان في موضع المسؤولية وينيط بحركته وتدبيره الكون ويجعله خليفة الله في الأرض ، والخلافة تستبطن المسؤولية ، والمسؤولية تضع الإنسان بين قطبين : بين مستخلف يكون الإنسان مسؤولًا أمامه وجزاء يتلقّاه تبعاً لتصرّفه ، بين المبدأ والمعاد ، بين الأزل والأبد ، وهو يتحرّك في هذا المسار تحرّكاً مسؤولًا هادفاً . والإيمان بالله يعالج الجانب الإيجابي من المشكلة ، مشكلة الغلوّ في الانتماء التي تفرض التحدّد وتشكّل عائقاً عن اطّراد مسيرته . وذلك على الوجه التالي : أولًا : إن هذا الجانب من المشكلة كان ينشأ من تحويل المحدود والنسبيّ إلى مطلق خلال عملية تصعيد ذهنيّ وتجريد للنسبيّ من ظروفه وحدوده . وأما المطلق الذي يقدّمه الإيمان بالله للإنسان فهو لم يكن من نسيج مرحلة من مراحل الذهن الإنساني ليصبح في مرحلة رشد ذهنيّ جديد قيداً على الذهن الذي صنعه . ولم يكن وليد حاجة