السيد كمال الحيدري
355
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
بالتدريج ويتجرّد عن ظروفه النسبية التي كان صحيحاً ضمنها وينتزع الذهن البشري منه مطلقاً لا حدّ له للاستجابة إلى مطالبه ، وبالتعبير الديني يتحوّل إلى إله يُعبد بدلًا عن حاجة يستجاب لإشباعها . وحينما يتحوّل النسبي إلى مطلق ؛ إلى إله من هذا القبيل يُصبح سبباً في تطويق حركة الإنسان وتجميد قدراته على التطوّر والإبداع ، وإقعاد الإنسان عن ممارسة دوره الطبيعي المفتوح في المسيرة : لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا ( الإسراء : 22 ) . وهذه حقيقة صادقة على كلّ الآلهة التي صنعها الإنسان عبر التاريخ ، سواء ما كان قد صنعه في المرحلة الوثنية من العبادة أو في المراحل التالية . فمن القبيلة إلى العلم نجد سلسلة من الآلهة التي أعاقت الإنسان بتأليهها والتعامل معها كمطلق عن التقدّم الصالح . نعم من القبيلة التي كان الإنسان البدوي يمنحها ولاءه باعتبارها حاجةً واقعية بحكم ظروف حياته الخاصّة ، ثم غلا في ذلك فتحوّلت لديه إلى مطلق لا يبصر شيئاً إلا من خلالها وأصبحت بذلك معيقة له عن التقدّم . . إلى العلم الذي منحه الإنسان الحديث بحقٍّ ولاءه ، لأنه شقَّ له طريق السيطرة على الطبيعة ، ولكنّه غلا أحياناً في هذا الولاء فتحوّل إلى ولاء مطلق تجاوز به حدوده في خضمّ الافتتان به ، وانتزع الإنسان المفتون بالعلم منه مطلقاً يعبده ويقدّم له فروض الطاعة والولاء ، ويرفض من أجله كلّ القيم والحقائق التي لا يمكن قياسها بالأمتار أو رؤيتها بالمجهر . فكلّ محدود ونسبي إذا نسج الإنسان منه في مرحلة ما مطلقاً يرتبط به على هذا الأساس ، يصبح في مرحلة رشد ذهني جديد قيداً على