السيد كمال الحيدري
169
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
التجربة أحد مصادر العلم وأساساً صالحاً للتعميم ، بينما يسمّي التجميع العددي للأمثلة فقط بالاستقراء الناقص ويعتقد بأنه غير صالح منطقياً لإثبات التعميم . محاولة أخرى للتمييز بين التجربة والاستقراء الناقص هناك من يحاول أن يفسّر تمييز المنطق الأرسطي بين الاستقراء الناقص والتجربة ، بأنّ المنطق الأرسطي يريد بالاستقراء الناقص الذي لا يصلح أساساً للعلم بالتعميم ملاحظة أشياء جاهزة ناجزة في الطبيعة من قبيل ما إذا لاحظنا عدداً كبيراً من الغربان فوجدناها سوداء ، ففي هذه الحالة ليس من حقّنا أن نبني على هذه الملاحظة العلم بأنّ كلّ غراب أسود . وأما التجربة التي تصلح أساساً للعلم فهي تعبّر عن عملية فيها شيء من التأثير والتأثّر أو بتعبير آخر هي عمل إيجابي يقوم به الإنسان ، من قبيل أن يسلّط الحرارة على الحديد فيتمدّد في كثير من الحالات ، فنستنتج أن كلّ حديد يتمدّد بالحرارة . وبهذه التفرقة بين الاستقراء والتجربة التي حاولها بعض شراح المنطق الأرسطي نقترب بالتجربة نحو المفهوم العلمي لها ، ونقترب بالاستقراء الناقص نحو ما يسمّى بالملاحظة المنظَّمة في لغة المنهج العلمي الحديث . ولكن هذا التفسير للموقف الأرسطي خاطئ ، لأنّ المنطق الأرسطي لم يُرد بالتجربة التي اعتبرها أساساً للعلم بالتعميم كما تقدّم إلا الاستقراء الناقص نفسه ، ولكن في حالة تكوين قياسيّ منطقيّ يستمدّ صغراه من الاستقراء الناقص وكبراه من مبدأ عقليّ قبليّ ينفي تكرّر الصدفة .