السيد كمال الحيدري

170

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

فالتجربة لا تختلف عن الاستقراء الناقص في نوعية النشاط الذي يمارسه الإنسان وكونه نشاطاً إيجابياً فاعلًا أو مجرّد ملاحظة ، بل تختلف عنه في اشتمالها على مبدأ عقليّ قبليّ ينضمّ إلى الأمثلة المستقرأة ، فيتكوّن من المجموع قياس كامل . ولهذا يعتبر ابن سينا استقراء مواليد الزنوج الذي يدلّ على أن ابن الزنجي أسود ، تجربةً بالرغم من أنه لا يحتوي على أيّ تأثير وتأثّر أوعمل إيجابيّ من الإنسان المستقرئ « 1 » . وبعد أن اتّضح أن المبدأ القائل : « إن الاتفاق لا يكون دائمياً ولا أكثرياً » هو حجر الزاوية في الموقف الأرسطي على الصعيد المنطقي من مشكلة الاستقراء ، لابدَّ أن نحصل على تصوّر محدّد لهذا المبدأ العقلي المفترض وأبعاده ثم نقيّمه بعد ذلك ونكتشف حقيقته ، وهل هو من المبادئ العقلية القبلية أو من القضايا المرتبطة بالاستقراء والتجربة ؟ الصدفة واللزوم في المنطق الأرسطي وقبل كلّ شيء يجب أن نعرف المعنى الذي يقصده المنطق الأرسطي من الاتفاق في المبدأ الذي وضعه أساساً للاستقراء والذي يقول إن الاتفاق لا يكون دائمياً ولا أكثرياً . إن الاتفاق بمعنى الصدفة ، والصدفة تعتبر نقطة مقابلة للزوم ، فإذا استطعنا أن نفهم معنى اللزوم أمكننا أن نحدّد معنى الصدفة بوصفها المفهوم المقابل للّزوم والنقيض لها . واللزوم على نحوين : اللزوم المنطقي واللزوم الواقعي .

--> ( 1 ) منطق الشفاء ، البرهان ، ص 47 ، نقلًا عن الأسس المنطقية للاستقراء ، ص 38 .