السيد كمال الحيدري

165

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

لنا إثبات التعميم لأنّ كلّ ظاهرة تقترن بسببها دائماً ، ومجرد التجميع العددي للأمثلة لا يتيح لنا عبور هذا الجسر وإثبات السببيّة . ويعتقد المنطق الأرسطي أن بإمكان المستقرئ إيجاد هذا الجسر وإثبات السببية إذا لاحظ إلى جانب الأمثلة مبدأ عقلياً ، يفترض المنطق الأرسطي وجوده في عقلنا بصورة مستقلّة عن الاستقراء والتجربة وهو مبدأ يقول : إن الاتفاق « الصدفة » لا يكون دائمياً أو أكثرياً ، بمعنى أن أيّ شيئين ليست بينهما رابطة سببية لا يتكرر اقترانهما في جميع الأحيان ، ولا في أكثر الأحيان . وفي رأي المنطق الأرسطي : إن الدليل الاستقرائي بعد أن يحصل خلال الاستقراء الناقص على عدد كبير من الأمثلة ، ينطلق من ذلك المبدأ العقلي ويتّخذ الشكل القياسي في الاستدلال فيقرر : إن ظاهرة « أ » وظاهرة « ب » قد اقترنتا خلال الاستقراء في مرّات كثيرة ، وكلّما اقترنت ظاهرتان بكثرة فإحداهما سبب للأخرى لأنّ الاتفاق لا يكون دائمياً ولا أكثرياً ، ويستنتج من ذلك أن « أ » سبب ل » ب » . وهذا استدلال قياسيّ بطبيعته لأنه يسير من العامّ إلى الخاصّ ، وليس من نمط الاستدلال الاستقرائي الذي يسير من الخاصّ إلى العامّ . وإذا ثبت باستدلال قياسيّ يسير من العامّ إلى الخاصّ أن بين الحرارة وتمدّد الحديد رابطة سببيّة ، استطعنا أن نؤكّد أن الحديد يتمدّد كلّما تعرّض للحرارة لأنّ المسبّب يوجد كلّما وُجد سببه . وهكذا نلاحظ أن الدور المباشر الذي يلعبه الاستقراء الناقص في رأي المنطق الأرسطي هو تقديم صغرى القياس ، إذ يستخلص من الاستقراء الناقص أن الظاهرتين قد اقترنتا كثيراً ، وتقوم بعد ذلك